منال الزعبي - النجاح الإخباري - تتحرّك غزة اليوم من تحت ركام الحرب إلى هندسة تسوية جديدة، عنوانها الظاهر «إطلاق الأسرى ووقف إطلاق النار»، لكن مضمونها أبعد من ذلك بكثير. فالاتفاق الذي رعته واشنطن عبر ضغط مباشر وصفته صحيفة هآرتس بـ«نهج المافيا الذي نجح في الشرق الأوسط»، أعاد صياغة موازين القوى في القطاع، وأعاد طرح السؤال الأهم: من يملك القرار في غزة بعد الهدنة.. البنادق أم السياسة؟
وفي السياق يرصد موقع النجاح الإخباري كيف تناولت الصحف العبرية صفقة الأسرى الأخيرة مع حماس ووقف إطلاق النار في غزة، مسلطة الضوء على الانسحاب الجزئي، أسماء الأسرى، والتداعيات السياسية والعسكرية للاتفاق. من ‘إسرائيل اليوم’ إلى ‘معاريف’ و‘هآرتس’، يكشف الإعلام العبري عن تقديرات ومواقف تكشف حسابات القوى المتشابكة بين تل أبيب وغزة، وما وراء الصفقة من صراع نفوذ ومصالح إقليمية.
معادلة مركبة
المرحلة الأولى من الصفقة حملت معادلة مركّبة: 20 أسيرًا إسرائيليًا و28 جثة مقابل 250 أسيرًا فلسطينيًا و1700 معتقل مدني من غزة، إلى جانب انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي إلى ما يسمى "الخط الأصفر" خارج مراكز المدن.
ورغم أن الانسحاب لم يُقدَّم رسميًا كهزيمة عسكرية، فإن صحيفة يديعوت أحرونوت نقلت عن مصادر عسكرية قولها إن "حماس ستسيطر على معظم قطاع غزة بالفعل بحلول نهاية الأسبوع"، في اعتراف نادر بأن الحركة ستستعيد المشهد الإداري بعد أشهر من محاولة اقتلاعها.
هذه العودة المتدرجة للمقاومة إلى واجهة الحكم في غزة تُقلق تل أبيب. فالاتفاق – بحسب إسرائيل هيوم –"صفقة تاريخية لكنها محفوفة بالتحديات»، أهمها الخشية من أن تستأنف حماس بناء قوتها العسكرية فور تثبيت الهدنة. بل إن بعض الأصوات داخل الحكومة، مثل وزيرمالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، حذر من أن «تل أبيب تُسلّم غنيمة استراتيجية مقابل لحظة إنسانية»، في إشارة إلى أن الثمن السياسي للصفقة قد يفوق مكاسبها العسكرية.
الضغط الإقليمي
غير أن الحسابات الإسرائيلية لم تكن داخلية فقط. فالضغط الإقليمي كان حاسمًا، إذ كشفت إسرائيل هيوم أن «الهجوم الدبلوماسي في قطر لعب دورًا مباشرًا في ليّ ذراع حماس»، فيما تحدثت هآرتس عن دور تركي خلف الكواليس، وسقف مصري عالٍ للحفاظ على خطوط السيطرة في رفح، في حين تولت السعودية والإمارات تنسيق المظلة المالية لمرحلة ما بعد الهدنة.
على الجانب الفلسطيني، جاءت ردود الفعل متباينة بين فخرٍ بالإنجاز ومخاوف من الفخ السياسي. فالمقاومة قدّمت الصفقة بوصفها «مرحلة انتقالية نحو تثبيت معادلة الندية»، بينما اعتبرت بعض الأصوات الوطنية أن التهدئة قد تتحول إلى أداة خنق اقتصادي إذا لم تُستكمل بخطة إعمار عادلة ورفع كامل للحصار.
في المحصلة، لا يبدو أن السؤال المطروح هو: "من انتصر؟"، أو بالأحرى: من سيملأ الفراغ الآن؟». فغزة لا تدخل مرحلة سلام، بل تدخل مرحلة إعادة تموضع، حيث لا الحرب انتهت فعليًا، ولا التسوية اكتملت بعد. وكل ما يجري الآن ليس سوى استراحة بين جولتين، يقرر خلالها كل طرف أي صورة يريد أن يظهر بها عندما تُفتَح المعركة التالية.. بالمدفع أم بالاتفاق.