زيد صنوبر - النجاح الإخباري - استقبل قاطفو الزيتون صباح هذا اليوم تحت وقع اعتداءات المستوطنين، الذين هاجموا عدداً من المزارعين في بلدتي عقربا وبيتا جنوب نابلس، وألقوا قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاههم في محاولة لتفريقهم ومنعهم من قطف ثمارهم، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين، بينهم الصحفي وهاج بني مفلح أثناء تغطيته للهجوم. ورغم الضرب ورشّ الغاز السام، تمسّك الأهالي بمفارشهم وأغصانهم، مؤكدين أن هذا الموسم بالنسبة لهم ليس موسماً للرزق فحسب، بل معركة وجود وصمود.

اعتداءات متكررة
في كل عام، ومع مطلع تشرين الأول، تتكرر الصورة ذاتها: عائلات فلسطينية بأكفٍ متعبة وقلوبٍ مؤمنة تجوب الحقول، تقابلها اعتداءات متصاعدة من المستوطنين وجيش الاحتلال؛ أحدهما يزرع الحياة، والآخر يسعى لاقتلاعها.
وعلى الرغم من أن الفلاحين ينتظرون هذا الموسم باعتباره انفراجة رزق وطقس انتماء تتوارثه العائلات الفلسطينية منذ مئات السنين، إلا أن المنغصات تعود معهم عامًا بعد عام؛ من مطاردة صاحب الأرض إلى التضييق عليه في أرضه، من قبل الاحتلال ومستوطنيه.
مدير عام مجلس الزيتون الفلسطيني فياض فياض قال في حديثه لـ"النجاح" إن وزارة الزراعة أطلقت هذا العام حملة "الزيتون 2025" بالتعاون مع المؤسسات الوطنية ومتطوعين تحت شعار (إحنا معكم)، بهدف مساندة المزارعين وحمايتهم خلال الموسم.
موسم استثنائي
ووصف فياض، موسم الزيتون هذا العام بأنه استثنائي، مشيرًا إلى أن وزارة الزراعة قدرت إنتاج الموسم بين سبعة إلى ثمانية آلاف طن:
" نأمل أن تصل الإنتاجية إلى عشرة آلاف طن في حال التزم المزارعون بمواعيد القطاف المحددة".
وحذر من أن التسرع في القطاف قد يقلل الإنتاج عن المعتاد ويؤثر على جودة الزيت وسيولته.
وأضاف فياض أن تكلفة الإنتاج هذا العام قد تكون أقل مقارنة بالسنوات الماضية، موضحًا أن الأسباب الرئيسة لذلك تشمل قلة الأمطار التي لم تصل إلى 50% من المعدل المعتاد، بالإضافة إلى انخفاض درجات الحرارة في فترة المربعانية إلى أقل من سبع درجات، وموجات الحر غير الطبيعية التي شهدها الصيف.
وأشار إلى الصعوبات التي واجهها المزارعون في الوصول إلى أراضيهم خلال الأعوام السابقة، حيث لم يتمكن المزارعون في 2023 من الوصول إلى 120 ألف دونم، وفي 2024 كان الوضع محدودًا أيضًا، إذ تم منح تصاريح مؤقتة لعدد محدود من الأراضي لمدة أسبوع فقط، في ظل وجود 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية محاطة بأحزمة أمنية تمنع الوصول إلا بتصاريح خاصة.
وأوضح فياض أن العوامل المناخية ليست وحدها ما يثقل كاهل المزارعين، بل تبقى اعتداءات الاحتلال الهاجس الأكبر، إذ يواجه المزارعون صعوبات متكررة في الوصول إلى الأراضي الواقعة خلف الجدار أو قرب المستوطنات، مع فرض تصاريح محدودة وغالبًا ما تُمنع أعداد كبيرة من الدخول.
كما تتكرر اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون من اقتلاع وقطع وسرقة المحاصيل، في محاولة لحرمان المزارعين من مصدر رزقهم وتقليص وجودهم في أراضيهم.
قرى جنوب نابلس تعاني
في قرية يتما جنوب نابلس، يقف المزارع عبد العزيز النجار عند طرف حقله المتاخم للمستوطنة ويقول لـ"النجاح":
"الزيتون بالنسبة إلنا مش مجرد شجرة... هو رزقنا وتاريخنا. كل سنة بنواجه نفس المعاناة، بنستنى أيام معينة للدخول، وبنوصل أحيانًا نلاقي الشجر مقطوع أو الثمر مسروق."
ورغم قسوة المناخ والاحتلال معًا، يبقى الفلسطيني يعود إلى كروم الزيتون كما يعود الإنسان إلى بيته الأول.
يُعدّ موسم قطف الزيتون أكبر موسم زراعي وشعبي في فلسطين، إذ تغطي أشجار الزيتون أكثر من نصف الأراضي الزراعية، ويُنتج سنويًا آلاف الأطنان من الزيت الذي يُعرف بجودته العالية ويُصدَّر إلى مختلف الدول.
وفي نهاية الموسم، حين تُعلّق القفاف وتُشعل النيران احتفالًا بالقطاف، تبدو شجرة الزيتون وكأنها تهمس بما جاء في القرآن الكريم:
(شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) صدق الله العظيم
لتبقى شاهدًا على أن هذه الأرض تُروى بالعرق... وتحيا بالإصرار.