النجاح الإخباري - في غزة لم تدمر الحرب البيوت وتحصد الأرواح وتجتث مؤسسات التعليم والصحة فحسب، بل طمرت تحت الركام آلاف القصص والطموحات والأحلام، فتحت كل حجر تفاصيل مؤلمة تدق ناقوس الضمير العالمي ليلتفت إلى تلك البقعة المستباحة من قبل قوات احتلالية عاثت فيها فسادًا وفظّعت في ارتكابها جرائم حرب.

 حتّى صباح السابع من أكتوبر تشرين الأول الماضي، لم تكن ابنة غزة الشابة دانا القدرة تتصور أبدا أنّ شيئا سيحول دون أولى خطواتها نحو تحقيق حلم البطولة في اللعبة التي تصفها بأنها "لعبة الذكاء الأولى" في العالم.

كانت دانا (13 عاما) في ذلك اليوم على موعد مع المسابقة "الأقوى" التي انتظرتها كثيرا، وهي مسابقة الشطرنج على مستوى مدارس المنطقة، التي اعتبرتها فرصة جديدة لمنافسة لاعبين أقوياء من أبناء جيلها واستعراض قدراتها في تحريك البيادق على رقعتها حتىّ تحقيق الفوز بعد أن تدربت كثيرا على هذه اللعبة.

لم تستطع الصبية النوم في تلك الليلة إلا قليلا؛ فلطالما حلمت أن تكون لاعبة شطرنج محترفة ذات صيت واسع لها من الجوائز العالمية نصيب مشرّف ترفع به اسم وطنها في عالم الاحتراف كسبيل لأداء واجبها تجاه ذلك الوطن، بحسب وصفها.

لكنّ الحلم الجميل انتهى وبدأ همٌ ثقيل حينما استيقظت على صوت إطلاق مئات القذائف الصاروخية تجاه قطاع غزّة؛ وبدلا من أن تستقلّ حافلة المدرسة التي كانت ستأخذها إلى حلمها، استقلّت حافلة النزوح إلى مكان يُعتقد أنّه أكثر أمانا من منطقتهم المهددة بالقصف.

حال النزوح بين دانا وحلمها، وحرمها أيضا من رقعة الشطرنج وبيادقها التي رافقتها طويلا أثناء رحلة الإعداد لتلك المسابقة؛ لكنها أخيرا تمكّنت من استعادة تلك الرقعة من بيتها المدمّر.

تقول دانا "عندما عادت أمي بها، شعرت أنّ روحي قد عادت إلى جسدي؛ ركضّت إليها واحتضنتها بين يديّ. في البداية، لم أجد من يشاطرني اللعب سوى أمّي؛ لكن الآن، بعد أن درّبت معظم أصدقائي عليها، أصبح لدي العديد من شركاء اللعب الأقوياء".

* بداية الرحلة

تروي الصبية الصغيرة قصّتها مع الشطرنج، والتي بدأت عند عودة والدها ذات يوم حاملا لعبة لم تكن تعرفها. كان حماسها فاترا في بداية الأمر، ظنّا منها أنها مجرد مجسمات صغيرة لا فائدة منها؛ غير أنها أصبحت مولعة بهذه اللعبة بعد أن ألهمتها قصّة أمّها لاعبة الشطرنج السابقة.

في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP)، قالت دانا "حين رأيت الرقعة لأول مرة، أصدرت تعبيرا ساخرا؛ فقد اعتقدت للوهلة الأولى أنّها مجرّد لعبة تافهة للصغار؛ إلا أنّ أمّي أخبرتني أنها لعبة الذكاء الأولى حول العالم، قبل أن تسرد لي قصتها مع الشطرنج وحصولها على المركز الثاني في إحدى المسابقات المحليّة الكبرى".

أضافت "عدّدت أمّي أهمّ الشخصيات العالميّة التّي اشتهرت بلعب الشطرنج، فدفعني الحماس لتعلّم هذه اللعبة المعقّدة حسب ظني الأول، وقفزت رغبتي في صنع مجد يُضاهي مجد أمّي أو أكبر منه وإن طال عنان السماء... كانت أولى الخطوات هي تعلم الأساسيات ونقلات البيادق".

وتابعت "بذلت أمي في تلك الفترة جهدا مضنيا حتى حفظتها وبدأت رحلة إجادتي للعب الشطرنج. لم أكن اللاعبة الأكثر مهارة في العالم، ولكنّي كنت أهزم لاعبين متمرّسين ويفوقون عمري أضعافا". 
 
بدأت دانا بعد ذلك مرحلة جديدة من حياتها مع الشطرنج، حيث أخذت تبحث عن المؤسّسات والأماكن التي تُنظّم أنشطة خاصة باللعبة وسعت للمشاركة في أيّ مسابقة أو جولة وديّة تفتح أمامها فرصة للمنافسة. وفي كل مرة، كان الحلم يكبر شيئا فشيئا ويقترب أكثر.

وكان الدافع الأكبر لدى دانا للمشاركة في هذه الأنشطة بحسب وصفها هو البحث عن لاعبين أكثر مهارة من أجل اكتساب مزيد من الخبرة وتحسين مستواها في اللعب وصولا إلى مستوى الاحتراف المطلوب، حتّى تُنافس في البطولات الرسمية. 

* صدمة الحرب

كانت حرب غزّة أول اصطدام لها بالواقع؛ وبنبرة أسى، قالت دانا "كانت المسابقة الأقوى التي لطالما انتظرتها هي مسابقة الشطرنج على مستوى مدارس المنطقة؛ كنت أرى فيها فرصة جديدة لمنافسة لاعبين أقوياء من نفس الجيل وقياسا حقيقيا لقدراتي في اللعبة".

أضافت "لا أنكر توتّري وقتها وسيطرة شيء من الخوف على جوارحي، مع بعض الخيالات السلبية بفرصة الفشل وعدم الفوز أو تحقيق مركز متقدّم على الأقل؛ لكنّي حافظت على رباطة الجأش وشحذ الهمّة باستذكار لحظات التفوّق على اللاعبين الأمهر في عائلتي وبين أصدقائي، ولذلك جهزت كلّ شيء للمسابقة". 

وتابعت "لم أستطع النوم في تلك الليلة، فكيف ينام من سيخطو في الصباح أولى خطواته الحقيقية على طريق تحقيق حلمه؟"

كانت دانا قد ضبطت ساعة المنبّه لتتأكد تماما من أنها ستستيقظ في موعدها؛ لكن لم تكن تلك الساعة هي ما أيقظها، وإنما شرارة الحرب التي أنستها أيضا رقعة الشطرنج داخل البيت؛ فقد كانت الأحداث متسارعة والمشهد عظيم، وكان عليهم إخلاء البيت قبل أن يُسوّى بالأرض.

وتصف الفتاة تجربة النزوح وتقاطعها مع حلمها باحتراف الشطرنج بأنّها الأكثر مرارة وقسوة؛ فقد اضطرت وعائلتها إلى النزوح أربع مرات في أماكن مختلفة قبل أن تستقر في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزّة؛ وفقدت في رحلة النزوح تلك معظم أسباب الرفاه والسلام النفسي للطفل.

* العثور على الرقعة

تصف صابرين القدرة حال ابنتها دانا في تلك الفترة قائلة إنّها "كانت تشرد بفكرها معظم الوقت، ولا تمارس أيّ نشاط تقريبا وكأنها جسد بلا روح، ونادرا ما تستجيب لمحاولة أقرانها وصديقاتها جذبها لمشاطرتهم ألعابهم؛ وقد عرفت أنّ دواءها يكمن في رقعة الشطرنج، وتحديدا تلك التّي بقيت في البيت المدمّر".

لذلك، فقد عقدت الأم العزم على العودة في أقرب فرصة إلى البيت والبحث عن تلك الرقعة "علّها تكون قميص يوسف الذي يُعيد لروحها البصر". 

وقالت "حين انسحبت قوات جيش الاحتلال من منطقتنا الأصليّة في القرارة، كنت من أوائل الناس الذين تشجّعوا على العودة وتفقّد بيوتهم؛ كنّا نعلم مبكّرا بدمار البيت، إلا أنّ شيئا واحدا فقط كان نُصب عيني، رقعة الشطرنج".

أضافت "طفت حول ركام البيت أبحث عن أثر؛ وكهدية من القدر، لمحت طرفها بين كومة من الملابس والأحجار الصغيرة، فحملتها كمن يحمل طفلا ناجيا وأخذت معي بعض الأشياء الأخرى من بقايا بيتي الجميل، ورجعت بالبُشرى".

استقبلت دانا لعبتها المفضّلة كمن يستقبل عزيزا كان غائبا؛ صرفت اللحظات الأولى في تأمّل الرقعة ومحاولة تفحّصها للتأكّد من خلوّها من أيّ أذى أو نقص في البيادق، قبل أن تطلب من أمها مشاركتها جولة لعب سريعة لتستكمل منافسة من تعلّم من أخوتها أساسيات الشطرنج، تقول السيدة.

لكن الطفلة واجهة مشكلة ندرة المنافسين، وضعف مستوى من يعرفون اللعبة؛ فمعظم أقرانها لم يجرّبوا لعبة الشطرنح ولو لمرة واحدة أو حتّى يتعرفوا على أساسياتها. هذا الموقف جعل الصبيّة تخرج بفكرة تُعيد لها حماسها للعب من جديد.

أخذت دانا على عاتقها زمام المبادرة للتعريف بالشطرنج وتعليم الأصدقاء من الأهل والجيران، حتى أصبح لديها اليوم مجموعة كبيرة من شركاء اللعب الأقوياء، وأصبح طابور الانتظار للعب أمام رقعتها "أطول من طابور تعبئة المياه" بحسب وصفها.

المصدر: النجاح الإخباري+ وكالة AWP