نهاد الطويل - النجاح - ازدهرت خلال السنوات الأخيرة الماضية تجارة عُرفت بـ"بيزنيس الشنطة" بين الأردن وفلسطين؛ لتُشكّل بذلك شريحة اجتماعية جديدة تمتهن هذا النشاط بين البلدين الجارين.

في هذا التقرير يقف "النجاح الإخباري"  على أسرار هذا النوع من التجارة، وهو مفهوم يتبنى العاملين والعاملات بيع السلع "المهربة" بشكل فردي دون أن يكون لهم محل أو سجلّ ضريبي أو صفة قانونية بحسب المختصين.

أبعاد كثيرة

وعن خلفيات وأبعاد هذه التجارة تقول الباحثة الأردنية لميس أندوني: "إنَّ هذه الظاهرة طبيعية في ضوء تدهور الوضع المعيشي".

وأوضحت أندوني أنَّ هذا يسمى الاقتصاد الموازي – أو غير الرسمي – وينشط عادة في أوقات الأزمات الاقتصادية ليكون بذلك متنفسًا للناس وبديلًا عن الاستثمارات لما له من تأثير إيجابي، ويساهم في رفع دخل العائلات "المستورة" وبالتالي تحسين مستوى معيشتها.

وتؤكِّد أندوني لــ"النجاح الإخباري" أنَّ هذا السلوك التجاري الذي ترتفع وتيرته يومًا بعد يوم بين الأردن وفلسطين، من شأنه أيضًا أن يحلَّ مشاكل الكثيرين الذين يعانون من الديون والبطالة والقروض.

وترى أندوني أنَّ هذا التوجه استقطب الشباب العاطلين عن العامل، خاصة ممن يحملون شهادات جامعية وفيه اعتماد على الذات وابتكار طرق ووسائل جديدة لكسب المال ومن ضمنها اللجوء الى خيار "تجارة الشنطة" رغم كلِّ العراقيل والمخاطر التي تحيط بهذا النشاط الاقتصادي.

وأكثر السلع الاستهلاكية التي يحملها "تجار الشنطة" تتضمن الدخان بأنواعه المختلفة وأدوات المكياج وأجهزة الجوالات.

ممارسات مؤقتة .

وتضيف اندوني أنَّ هذا النمط من التجارة ليس جديدًا، بل يعود لسنوات طويلة، إلا أنَّ أدواته تطورت، ويعود اهتمام الناس فيه وإقبالهم عليه أساسًا الى الوضع المعيشي الناجم عن البطالة وإن كان بإمكانات بسيطة.

 "تجارة الشنطة" تبدو وكأنَّها نشاط مؤقت لا يدوم طويلاً، لأنَّها تعتمد بشكل مباشر على حجم السيولة التي يملكها صاحب "الشنطة".تعتقد أندوني.

تحصيل حاصل ..

وفي الجانب الفلسطيني يؤكِّد الخبير الاقتصادي الدكتور طارق الحاج أنَّ  نمو تجارة الشنطة يعتبر وضعًا طبيعًا، وتحصيل حاصل بالنظر إلى أنَّ  أسعار السلع التي يتم شراؤها من السوق الأردنية قليلة جدًا مقارنة بتلك الموجود في السوق الفلسطينية.

وشدَّد الحاج لـ"النجاح الإخباري"على أنَّ تجار الشنطة باتوا يطرحون أنفسهم كبديل.

وقال: "إنَّ هذا النوع من النشاط الاقتصادي وإن كان متنفسًا للكثير من الشباب، إلا أنَّه يؤثر على الاقتصاد الوطني "لأنها تنعش السوق الموازية".

ويتحدَّث الحاج عمن وصفهم بالمنتفعين من جهة، والمتضررين في الوقت ذاته من جهة ثانية.

وتفصيلًا لما سبق يوضِّح الحاج أنَّ التاجر والاقتصاد الأردني هما المنتفعان الأساسيان من هذه التجارة بالدرجة الأولى.

وينضمّ إليهم "التجار المقاولون"، كما أطلق عليهم الحاج، وهم مجموعة من الأشخاص من أصحاب رؤوس الأموال، ينتشرون في محافظات الضفة الغربية، ويشغلون عددًا كبيرًا من الشباب وحتى النساء بين الجسرين.

بالأرقام

وبحسبة بسيطة أجراها الحاج لحجم رأس المال اليومي لهذه التجارة بين الأردن وفلسطين، بلغ ما يزيد عن مليوني شيكل، فعدد المسافرين يوميًّا عبر جسر الكرامة يتراوح بين (4000 – 7000) في كلا الاتجاهين.

 ومن شأن هذه التجارة أن تنعكس سلبًا على المشهد الاقتصادي الوطني أيضًا وفقًا للحاج.

"المنتج والمنُتج الفلسطيني يعانيان من هذه التجارة، ما يؤدي في المحصلة إلى عدم التوسع في المشاريع الاقتصادية، ويؤثِّر في النهاية على تحصيل الضرائب والرسوم، وبالتالي تفقد الموزانة الحكوميّة لجزء أساسي من دخلها" يضيف الحاج.

ويرى الحاج أنَّ إسرائيل تشجع هذه الممارسات لضرب الاقتصاد والمستثمر و المنُتج الفلسطيني.

وشدَّد على أنَّنا أمام فئة أو قوة اقتصادية "تعمل خارج القانون".

"هذه التجارة تعتبر من الأعمال الحرّة، ومردودها عالي جدًا في كثير من الأحيان مقارنة بحجم رأس المال". يرى الحاج.

ويتابع، لا تحتاج إلى رأس مال كبير لتكوين ثروة وبالتالي هي مقدمة لبناء أو تأسيس شركة أيضا".

"بين الجسرين" القصة الكاملة ..

أحد أبرز المحطات التي واكبها "النجاح الإخباري" خلال إعداد هذا الملف، هي التوقف لساعات بمنطقة السوق الحرَّة الأردنية في جسر الملك حسين.

وفي هذا الصدد يقول أحد المشرفين في السوق الحرة: "إنَّ المسافرين لا يتقيدون بالتعليمات الصادرة عن الجمارك الفلسطينية، ويشترون ما يمكنهم حمله من "كروزات السجائر" لتسويقها بعد عودتها الى مناطقهم.

ويتوقع المشرف الذي رفض نشر اسمه، أن تحقّق مبيعات هؤلاء "التجار" أربحًا خياليّةً بنسبة (400%) من السعر الأصلي لـ"الكروز" الواحد.

تجارب أصحاب "الشنطة" ..

الشاب إبراهيم.. مشواره مع هذه "التجارة" بدأ منذ نحو 5 سنوات، كما حدَّثنا، قائلًا لـ"النجاح الأخباري": "إنَّ بدايته في هذا المضمار كانت مقتصرة على "التواصي" من قبل بعض الأصدقاء والأقارب".

وتابع: "لكن بعد عدّة رحلات إلى الأردن بدأ مشواري في شراء الدخان".

وبعد تجربة ناجحة لسنوات، قرَّرت السيدة إيمان علي (50) عامًا الانتقال من "تاجرة شنطة"
إلى صاحبة متجر نسائي صغير، وبدأت مشروعها بجلب قطع "الإكسسوارات النسائية ومواد التجميل من أحد التجار المعروفين في جبل الحسين بالعاصمة عمان".

وتتابع لـ"النجاح الاخباري": "انطلقت بكميات صغيرة، وعندما وجدت أنَّني بحاجة لزيادة أرباحي قمت بتوظيف سيّدة أخرى لجلب السلع من الأردن على أن أدفع لها مقابل مصاريف السفر".

وترى فيهذا العمل فرصة جيدة لمساعدة زوجها في إعالة الأسرة في ظلِّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الكثيرون.

هذا ويبلغ سعر علبة السجائر في السوق الفلسطينية من نوع ونستون (22) شيقلاً (4) دينار أردني، بينما يعادل سعر، كروز السجائر من هذا النوع وفيه (10) علب لنفس الصنف في السوق الحرَّة الأردنية (18 دينارًا أردنيًّا)  أي ما يعادل (80) شيقلا، في حين يتمّ بيعه في السوق الفلسطيني بـ (220) شيقلًأ.

ووفق بيانات وزارة المالية الأخيرة، فإنَّ (85٪) من سعرعلبة السجائر (القانونية) هي عبارة عن ضرائب لصالح خزينة الحكومة الفلسطينية، و(15٪) من سعرعلبة السجائرالأصلي هي هامش ربح الوكيل المستورد والتاجرفي السوق.

ووفق معطيات منشورة على موقع إدارة المعابر فإنَّه تنقل(1,837,307)  مسافرين عبر معبر الكرامة خلال عام واحد فقط ، قادمين ومغادرين من وإلى أرض الوطن .

ولو افترضنا أنَّ كلَّ شخص من المليون أدخل إلى الأراضي الفلسطينية "كروزين" سجائر فيكون قد دخل إلى فلسطين (2) مليون "كروز" سجائر، وهذا يعني أكثر من (200) مليون شيقل لم تستفد منها موازنة الحكومة بأيَّة ضريبة كونها دخلت عبر "تجارة الشنطة "غير القانونية.