أحمد الشنباري - النجاح - لم تبخل الظروف الاقتصادية في قطاع غزة على إيجاد بدائل لا تقل سوءًا عن الظروف التي تفرزها على سكانه المكلومين، ولم يعد يخفى على أحد ما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزة منذ عشر سنوات، فبالكاد يؤمن المواطن لقمة عيشه وإذا استطاع فيسجل إنجازه على لوحةِ العمر الذي ينقضي.

وفي سياق الأوضاع المزرية التي تعيشيها غزة بدأت ظاهرة "التكييش"  تطفو على السطح كأسلوب جديد يحاول فيه المواطن أو الموظف تحقيق سيولة نقدية تفي بعضاً من التزاماته الحياتية، خاصة وأن الراتب ينفذ بعد أول أسبوع من الشهر.

ما هي الظاهرة؟

تقوم فكرة التكييش على لجوء تجار لشراء سلعةٍ معينةٍ بالتقسيط عن طريق الشيكات أو بطاقة الكمبيالات أو بطاقة "Easy life"، ثم بيعها لذات التاجر أو الشركة أو لأخرى؛ ليحصلوا على سيولةٍ نقديةٍ فيكون سعر البيع النقدي أقل من الحقيقي.

ويعود سبب انتشار الظاهرة إلى ارتفاع نسبة البطالة التي بلغت (43.2%) في قطاع غزة، مقابل (19.6%) في الضفة الغربية، إضافة لارتفاع معدلات الفقر لتصل إلى (65%) في قطاع غزة، وانخفاض السيولة النقدية التي أضعفت الحركة الشرائية متسببة في زيادة أعداد الشيكات المرتجعة.

قد يبدو الموضوع في بادئه أسلوباً إيجابياً، لكن سرعان ما يتحول إلى نصب واحتيال ينهي حياة المواطن بالسجن والغرامة، إذ وصف بعض المراقبين هذه الظاهرة بأنَّها "عمليات نصب"، ويقولون: "نسبة الزبائن الذين يتعاملون بالتكييش، وفق تقديراتهم تصل إلى (10%)، فيما تجاوزت مبالغ التكييش مع بعض التجار (200) ألف دينار أردني، في ظاهرة يمكنها أن توقف حركة السوق".

تجربة بعض المواطنين:

أبدى التاجر "محمد خليل" وهو صاحب معرض لتجارة الأجهزة الكهربائية إستياءه الشديد من ظاهرة التكييش، قائلًا: "نحن نتعرض لخسارة كبيرة دون تدخل الحكومة، وذلك من خلال ازدياد الطلب على الشراء بنظام الكمبيالات أو التقسيط، وهذا ما يجعلنا نخسر"

ويؤكد حبس الزبون الذي لا يفي بالغرض ولا يتمكن من الدفع، وبحال حدث ذلك فيكون بعد فترة من الزمن، الأمر الذي يعود سلباً على التاجر".

ويقول المواطن وائل: "إنَّ اقتطاع الحكومة نسبة (30%) من الراتب يضعنا على المحك، فالقرض البنكي يأخذ حصته من الراتب وما يتبقى هو جزء بسيط"، مضيفاً: "نحاول التوجه إلى أصحاب المحال الإلكترونية لنشتري الأجهزة الكهربائية وغيرها بالتقسيط، عبر أحد الكفلاء أحيانًا أو عبر معاملة بنكية لنبيعها نقداً لتاجر أخر بسعر أقل".

ويرى وائل أنَّ الهدف من هذه العملية هو الحصول على مبلغ مالي يعوض فيه الخصومات وتأمين الاحتياجات اللازمة له".

ويقول المواطن رياض عبد الرحمن": "توجَّهت إلى محل للأجهزة الإلكترونية وقمت بشراء شاشة تلفزيونية بالتقسيط، من خلال التوقيع على كمبيالات الدفع".

ويتابع: "تمكنت الشهر الأول من الدفع لكن بعد ذلك لم أتمكن من دفع الاستحقاق، ما دفع صاحب المحل بتقديم شكوى ضدي سجنت على إثرها ودخلت في دوامة الإحراج المجتمعي".

أسباب ونتائج

وفي سياق الموضوع يقول الخبير الاقتصادي "نهاد نشوان" لمراسنا: "إنَّ تنامي ظاهرة التكييش في قطاع غزة جاء نتيجة لتباطؤ عمل سلطة النقد فيه منذ بداية الانقسام الفلسطيني عام (2007)، مضيفًا: "التسهيلات التي تقدمها سلطة النقد لقطاع غزة أقل بكثير من المُقدمة في المحافظات الفلسطينية الأخرى".

ويشير إلى أنَّه خلال عام (2016) حصلت محافظة رام الله والبيرة على أكثر من ثلاثة مليارات دولار كتسهيلات من المصارف المحلية، مقابل تسهيلاتٍ بلغت (911.9) مليون دولار قُدمت لقطاع غزة الذي يتجاوز عدد سكانه مليوني نسمة.

ويضيف نشوان: "ساهم توقف المؤسسات والبنوك عن تقديم التسهيلات للمشاريع الصغيرة في تضخيم المشكلة، حيث أصبحت المؤسسات تفرض شروطًا صعبة كضرورة وجود كفلاء يعملون لدى السلطة الفلسطينية، وهذا غير متوفر بكثرة في غزة".

ويشير نشوان إلى أنَّ التعامل بأسلوب التكييش يُكلِّف مبالغ طائلة، إذ تصل نسبة فوائد التأخير على الشيكات إلى (10%) شهريًا من قيمة المبلغ المُراد تكييشه، يعني ما نسبته (120%) سنويًا كفوائد، بينما تصل  فوائد البنوك المحلية من (5-7%) سنويًا.

ويؤكِّد نشوان أنَّ حماية المستهلك بوزارة الاقتصاد الوطني وسلطة النقد لم تواجهان المشكلة، موضحًا أنَّها ساهمت في إرهاق الجهاز القضائي في قطاع غزة؛ نظرًا لوجود آلاف الشكاوى في هذا السياق.