ايناس أحمد - النجاح - في كلّ إشراقة صباح تحزم أمتعتها وكلّ ما جَنَت يداها من قطاف أرضها، تنطلق من بيت لحم أو رام الله متّجهةً نحو القدس، لتبيعَ ما نبت بأرضها، عسى أنْ يعودَ عليها بمردود مادي يمكّنها من المجيء في اليوم التالي.

لكن كيف تصلُ القدس وهي تحمل بطاقة "هوية خضراء" صنّفتها من سكان الضفة الغربية ومنعتها من دخول مدينة القدس؟ بعد أنْ اقتصر الدخول للمدينة على مَنْ يحمل التصاريح أو الإقامة المقدسيّة الزرقاء، فكيف للون الأخضر أنْ ينتصر ويدخل عتبات المدينة المقدّسة ويبيع ما جنته أرضه من ثمار؟

فلّاحاتُ مدينة القدس، هنّ الأخضر والأحمر والأبيض، يحملْنَ بثمارهنّ لون علم فلسطيني يقولُ "لا للاحتلال، إنْ كنتَ تمنعنا من دخول القدس لنبيع محصول أرضنا، فإنّنا سندخلها إمّا تهريبًا أو عبر طرقٍ التفافيّة، لا نعترفُ بتصريحك لنا بالدخول لعاصمتنا."

تمتزج ألوان السبانخ والفجل والنعنع، لتنعكس عليها أشعة الشمس، فتغمز بطرف لمعانها عينَ المقدسي ليشتريها. لقد نَبَت ما تبيعه الفلّاحات بأرض الضفة الغربية، ويُباع في أرض القدس وفي أزقة حاراتها و أبوابها.

تمدّ الفلّاحة يدها المرسومة بتجاعيد الكبر وعمر الأرض لتمسكَ ضمةً من البقدونس وتقول "تعالي يا خالتي بشيكلين والله من نحالين، فش مثلهن بكل القدس".

من سوقٍ للفلاحات إلى بسطةٍ على قارعة الطريق.

كان للفلاحاتِ في مدينة القدس سوق خاص، سمّي على اسمهن "سوق الفلّاحات"، كان يمتدّ من "باب العامود" وحتى "باب الجديد"، كانت قد نظمته بلدية الاحتلال قبل ما يقارب العقديْن من اليوم، في وسيلة منها لتنظيم حركة المرور والتجارة في مدينة القدس، وإحكام السيطرة على الفلاحات.

تأتي الفلّاحات من بيت لحم ومن رام الله وقراهنّ، وتنتظم كل منهنّ بزاويتها المخصصة لها بالسوق، تبيع ما جنته أرضها وتعود إلى بيتها.

كُنَّ يدخلنَّ مدينة القدس كما باقي المقبلين على المدينة، لكن بعد الانتفاضة الثانية، فُرِضت قيودٌ على المدينة، وأصبح الدخول إليها مشروطًا بتصاريح، وأصبح السوق مهددًّا بالإغلاق، فَقَلَّ عدد الفلاحات بسبب التضييقات التي تفرضها قوّات الاحتلال على الداخلين لمدينة القدس، وإقامتها الحواجزَ العسكرية التي أعاقت وصولهنّ إلى السوق.

تضييق تلو التضييق، ومخالفاتٌ ورسوم تعجز الفلاحات عن الإيفاء بها، فأُغلق السوق وقلّت الفلاحات وعاد اللون الأخضر مقيّدًا في الدخول إلى القدس، ومَن تدخل منهن المدينة فإنّها تفترشُ الأرض بمحاصيلها، وتجلس على قارعة الطريق تنتظر مَنْ يشتري منها.

الدخول "تهريب" هو الحل!

تقول الحاجة "أم محمد" من بيت لحم " مشيتُ في كلّ طرق التهريب للدخول لمدينة القدس، من "الطنطور" إلى "جبل غنيم" إلى "وادي الحمص"، ومن "الرام" و"بير نبالا"، ومن "بوابة أبو ديس"."

تضيف،" كانت حياتنا شقاء بشقاء، نعبر السياج ونركض ونهرب، وحتى إذا وصلنا القدس تلاحقنا سيارات البلديّة، وتفرض علينا مخالفات، وتصادر محصولنا، ونعود لمنازلنا خائبات".

الوضع تغيّر

تغيّر وضع الفلّاحات بالقدس، بعد ما كانت تسير الجبال والوديان، تعبر السياج ويَغْبَرّ ثوبها المطرز، المهم أنْ تصل مدينة القدس، اليوم أغلب الفلّاحات تجاوز عُمرُهن الخمسين، فأصبحن دون الحاجة لإصدار تصريح لدخول القدس أو حتى محاولة الدخول "تهريب".

قلّ العدد وقلّ المحصول و بِيعَت البقر، تقول "أم محمد": كنت لا أبيع إلّا اللبنة، أحلب البقرة وأصنع من حليبها اللبنة، اليوم بيعَت البقر، ولا أدخل تهريبًا ولا أبيع اللبنة، اليوم أبيع ورق الدوالي والسبانخ، وحسب الموسم وما ينتجه من محاصيل".

أما الفلّاحة "أم محمود" من بلدة "نحالين" بالجنوبي الغربي من مدينة بيت لحم، تقول: كنتُ أبيع في سوق الفلّاحات، اليوم أنا على درجات "باب العامود"، وبعد ما كنت أدخل المدينة تهريبًا، اليوم أنا لست بحاجة حتى لتصريح لدخولها".

الجندي "جكم"

منذ اللحظة الأولى لتواجد الفلّاحات في مدينة القدس منذ القِدَم، كانت تأتي الفلّاحات وعلى رؤوسهن أطباقٌ مليئة بالفواكة والألبان، يأتينَ بها من حيث زُرعت بذورها ونَمت، أمّا اليوم فإن استطاعت تسريبَ "بقجة" من البقدونس أو الخبيزة فإنّها انتصرت على ذلك الجندي المراقب على الحاجز العسكري، بسبب منع إدخال الخضار واللحوم وماشابه على الحواجز والمعابر الإسرائيلية، إلا إذا كان الجندي المراقب غافلًا.

وهذا ما اتفقتْ عليه الفلاحتان "أم محمد" و"أم محمود"، حيث قالتا: إنْ كان نصيبنا مع جندي متساهل دخلنا بمحصولنا دون عناء، أمّا إذا كان "جكم" فإننا سنضطر إمّا لإرجاع "البقجة" أو الانتظار لتغيير وردية الجندي بجندي آخر، عسى أنْ يكونَ متساهلًا ونعبر.

من أين تأتي المحاصيل؟

بعد أنْ كانت القدس تترس بمحاصيل رام الله والقدس والخليل، أصبحت اليوم بعيدة المنال عنها، فَقَد تُعاد "البقجة" الصغيرة إلى حيث أتت، أو أنّها تنجح بالتهريب والدخول إلى مدينة القدس.

التشديد والتضيييق على المعابر الإسرائيلية أشبه بخناق يضغط على عنق مدينة القدس وعلى فلّاحاتها، لذلك لجأت الفلاحات تخفيفًا منهنّ على أنفسهن من عبء الشقاء وذلّ جنود الاحتلال إلى شراء محاصيلهنّ من التجار المقدسيين بسعر الجملة وبيعها بسعر المفرق، وما يزيد من المحاصيل تتركه عند شخص تثق به في مدينة القدس وتبيعه في اليوم التالي.

بعد أنْ كانت مدينة القدس تزخر بالفلّاحات و منتجاتهن، أصبح اليوم عدد الفلاحات لا يتجاوز أصابع اليدين، وبعد أنْ كان لهنّ سوق أصبَحن يجلسْن على حافة الطريق، هنّ ثوبُ القدس المطرّز وعطر الزعتر والنعنع، هنّ الأساس ولسْنَ البقايا.