اياد عبادلة - النجاح - خاص: زعم الاحتلال الإسرائيلي أنّه قصف قافلة محمّلة بالأسلحة على الأراضي السوريّة كانت في طريقها إلى حزب الله، لكنّ المصادر الرسمية السورية أكّدت أنّ الاستهدافَ كان في مناطق حرب الجيش ضدّ الجماعات المسلّحة، وتحديدًا عناصر "تنظيم الدولة" في "صحراء تدمر" وصولًا إلى "دير الزور"، فيما انصبّ الحدث الأبرز على القرار السوري باستخدام حقّ الردّ للمرة الأولى منذ سنين، وقصفه لمواقع استراتيجيّة عسكريّة ونوويّة للاحتلال الإسرائيلي، حيث أوضحت المصادر الإسرائيلية أنّ الصواريخَ كانت متجهة نحو الجنوب، لولا اعتراضها من قبل منظومة "حيتس"، ويبرز التساؤل الأكبر حول ما حدث عند الهدف الإسرائيلي من العملية المفاجِئة، خاصة أنّها جاءت في الوقت الذي تتعرض فيه المدن والمستوطنات الإسرائيلية إلى إطلاق صواريخ من نوع "غراد" من قبل الجماعات المسلحة التي تتبع إلى "تنظيم الدولة" وتستقرّ في سيناء، فهل كان القصف بمثابة صفقة بين "إسرائيل" و"تنظيم الدولة"؟ أم أنّها تختبر قوّة ردع التحالف في سورية بعد الإنجازات التي حققها على الصعيد الميداني وتقدّم القوّات المشتركة "السورية والروسية والإيرانية وحزب الله" على أكثر من محور؟

وقلَّل الكاتب والمحلّل السياسي المختصّ في الشأن الإسرائيلي "د. فريد قديح" من حديث المصادر الإسرائيلية التي زعمت أنّ الصاروخ السوري كان متجهًا نحو الجنوب الإسرائيلي، لاستهداف أماكن حسّاسة في الجنوب، بينها مفاعل "ديمونا"، وأوضح أنّه كان ينوي استهداف قواعد عسكريّة استراتيجيّة كبيرة في تلك المنطقة، وأشارَ إلى أنّه من الصعب استهداف مفاعل نووي، مبيّنًا أنّ مخاطر استهدافه تُصيب عددًا من الدول، أبرزها الأردن والمدن الفلسطينية في قطاع غزة.

وبيّن أنّ الذي أمرَ بالردّ العسكري العنيف هي القوّة المتحالفة التي تدير قواعد اللعبة جيّدًا في سورية، وتسعى إلى توصيل رسائل إلى دولة الاحتلال، مفادها أنّها تستطيع تغيير قواعد اللعبة في المنطقة وفقًا لرؤيتها، مستغلّة في ذلك غياب الدور الأمريكي والأوروبي، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل استوعبت جيّدًا بأنها أصبحت خارج إطار القواعد الجديدة، خصوصًا بعد استدعاء روسيا للسفير الإسرائيلي في "موسكو" وتحميله رسالة شديدة اللهجة حيال ما حصل.

وأشار إلى أنّ المنطق الأمني في إسرائيل يعتبر سورية حلبة صراع قويّة، هدفه تفجيرها والتصعيد فيها أكثر من الهدوء لتسويق فكرة أن الجولان المحتل جزء لا يتجزأ من دولة اسرائيل عبر المحافل الدولية, موضحًا أن تأجيج الصراع في المنطقة ذاتها يخدم رؤية اسرائيل في المجتمع الدولي.

ورأى أنّ النجاحات التي حققها التحالف على صعيد الميدان السوري، والتقدّم في عدد كبير من المحاور، واستعادة مناطق استراتيجية مهمّة من الجماعات المسلحة، فرضتْ نظامًا جديدًا قويًّا يتعامل بمنطق القوّة على الساحة.

ومع اشتداد قصف الجماعات الإسلامية المسلحة على المدن والبلدات الإسرائيلية من داخل قطاع غزة وشمال سيناء، وعدم قدرة إسرائيل على التعامل معها، رجّح أنْ تكون هناك صفقة سياسيّة بين إسرائيل وبعض الجماعات المسلحة التي تربطها علاقة وثيقة بها وتنشط على الأراضي السورية، وذك لإنقاذها من الأزمة الداخلية التي تعيشها الحكومة الحالية في إسرائيل، من تهديد متواصل لوجودها، مع فتح عدة جبهات سواء من قطاع غزة أو من سيناء، مستشهدًا بذلك محاولة التنظيمات والجماعات الإسلاميّة لخلط الأوراق من جديد في المنطقة، ولفت إلى أنّ دولة الاحتلال رأت أنّ مخرجها الوحيد محاولة إعاقة الجيش السوري وحلفائه من الزحف نحو استعادة المزيد من المساحات التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة بالقضاء على قدراته القتالية، مقابل وقف استنزافها بالقذائف والصواريخ التي باتت تصل إلى مواقع استراتيجية فيها، وتهدّد أمنها القومي.

ووصف ردة الفعل السورية بالمميزة والجيّدة، موضحًا أنّ سورية منذ وقت تتعرض لهجمات وانتهاكات، وتحتفظ بحقّ الردّ دون فعل، إلى أنْ زاد من استفحال إسرائيل ومحاولتها لخلط المزيد من الأوراق، وإحراج الإدارة الأمريكية الجديدة، أمام جماعات الضغط في الولايات المتحدة وأصدقائها من المجتمع الدولي، في محاولة منها لإعادة البوصلة إليها من جديد، في ظلّ التقارب والتفاهم الذي خيّم على العلاقة بين العاصمتيْن "موسكو" و"واشنطن" مع تولّي الرئيس "ترامب" الإدارة الأمريكية.

وأكّد على أنّ عجز القيادة السورية سابقًا مِن فتح جبهات جديدة مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، واستيعابها للضربات المتكررة، دعا الحلفاء إلى الإسراع في كشف أوراقهم بقدرتهم على تغيير قواعد اللعب الجديدة في الشرق الأوسط، الأمر الذي وضع إسرائيل في موقف حَرِج جدًّا، ودَعاها لإعادة حساباتها مرة أخرى، والبحث عن وسائل جديدة للتعامل مع الملف السوري، والملفات الأخرى في المنطقة.

وشدَّد على أنّ الخيارات التي باتتْ أمام إسرائيل بعد الصدمة التي مُنِيَت بها، هي العودة إلى إبداء المزيد من التعاون مع الحلفاء عبر القناة الروسيّة، موضّحًا أنّ أيّ تفاهم جديد مع "حزب الله وإيران"، سيكون عبر الحليف الأقوى "موسكو".

ونوّه إلى أنّ المجتمع الإسرائيلي أصبح رهينة حكومة رفضت في الماضي تسويات مع سورية بخصوص الجولان، وزادت أطماعها إلى تسويق فكرة للمجتمع الدولي، بأن الجولان جزء منها، ضاربة في ذلك كلّ الحلول السياسية، لافتًا إلى أنّ المجتمع نفسه بدأ يَعي تغيّر الأمور وخروجها عن السيطرة الإسرائيلية، ممّا وضع المُحللين الإسرائيليين كافة في خانة القلق والخوف من نموّ قوّة جديدة في المنطقة تهدّد وجوده.

يُشار إلى أنّ التغيّرات المتلاحقة على الساحة الدوليّة والشرق أوسطية، أبرزت قوّة جديدة على الساحة السياسيّة، تمكّنت من ردع إسرائيل عسكريًّا، وإعادة بلورة قواعد المعركة والتحركات بعيدًا عنها، ممّا أثار المخاوف بين الأوساط القياديّة في المجتمع الإسرائيلي والدولي، الأمر الذي يدفع باتجاه الحل السياسي، وإعادة الدفع بعجلة المفاوضات السياسية من جديد، وفتح المجال أمام المبادرات وفقًا للحلول التي طُرحت والتي قد تُستحدث لتجنيب العالم من الدخول في حرب عالميّة جديدة.