نابلس - د.مؤيد حطاب - النجاح - في المقال السابق تطرقنا لأثر توسع النص على حساب العقل النقدي، وكيف أدى جمود التعامل مع النص الديني إلى تأخر النهضة المعرفية في العالم العربي. وهذا الجمود له ارتباط بعوامل سياسية وإجتماعية ساهمت بترسيخ المنهج النقلي الذي إعتمده العرب في مراحلهم المختلفة مقابل تغييبهم المستمر لنظرية المعرفة. فالعقل النقدي يعتمد على منهج فكري وفلسفي متحرك بحيث يستمر في نقد ما وصله من معارف وعلوم، والتحقق من مصادرها، ثم السعي لتطوير ما توصل له العقر البشري في مختلف العلوم والمعارف. هذه المنهجية تم التأسيس لها في الدول التي عمدت النهوض العلمي والتقدم المعرفي، عبر ربطها الدقيق بجميع مراحل التعليم المدرسي والجامعي، كما تم تحفيز الوعي الجمعي للأكاديميين والباحثين في تلك الدول، بأهمية اعتمادها في جميع دروسهم ومحاضراتهم وأبحاثهم ونقاشاتهم الفكرية.

في المقابل، خاض العقل العربي عبر مراحل التاريخ المختلفة، صراعا عميقا بين مدرسة النقد العقل ومدرسة النص النقلي حتى نهاية القرن الثاني الهجري. فقبل ذلك التاريخ كان هناك تصادم واضح بين اهل الكلام وفقه الرأي وبين أصحاب النص وأهل الحديث، دون ان ينتصر أحدهما على الاخر. لكن مع دخول العالم الاسلامي لبداية القرن الهجري الثاني، تم تأسيس ما عرف بأصول الفقه ووضع له قواعد جعلت مصادر التشريع الاسلامي منحصرة في نقل النص وعدم الخروج عنه. فوفق قواعد اصول الفقه تأسست مشروعية السنّة وخبر الآحاد كمصدر ثانٍ من مصادر التشريع، ولم يقتصر الامر على جعل السنّة شارحة ومفسّرة للنص القرآني بل تم تأصيلها بما يجعلها مصدرا مستقلا وجوهريا من مصادر الوحي، وبالتالي تم جعلها تتمتع بنفس القوة التشريعية والإلزامية للقرآن.  ولم تقتصر السنة على الاقوال الصادرة عن الرسول بل تم توسيع مفهوم السنّة لتشمل الأقوال والأفعال والموافقات الصادرة عن النبي وحتى الصحابة. وبذلك النهج الاصولي الجديد اخذ الفقه يتحول عن مدرسة اهل الرأي، الذين كان تصورهم لعلاقة السنّة بالقرآن لا يتجاوز كونها نصاً شارحاً لا يستقل بالتشريع. بدأت نطاق مدرسة أهل النص تتسع، كما أعتبر أصحاب تلمك المدرسة النصية، ان الاجماع مصدرا من مصادر التشريع، بل أنهم اعتبروا الاجماع جزء من الوحي. وحتى القياس او الاجتهاد فقد تم تقييده بشكل كلي بحيث لا يتعدى القياس او الاجتهاد عن كونه مجرد كاشف لما هو موجود اصلا في النص، ليكون الهدف الواضح هو توسيع النص وتضييق مجال العقل.

وبتلك الالية تم إخراج العقل الإنساني تماما من معادلة التشريع والاجتهاد، ولم يسمح له بدخول تلك الدائرة او الاقتراب من محيطها، الا إذا تمكن من حفظ النص، واعتمد على آليات الاسترجاع والترديد. فكل شيء في هذا الكون وكل تساؤل في هذه الدنيا، يوجد له اجابة شافية، ولكن ما ينقص الانسان هو فقط ان يمتلك حفظ النص وتذكر المعلومة. تلك المنهجية اسست للعقل النقلي، وحجمت الفكر النقدي، وازداد سيطرة المدرسة النقلية تدريجيا حتى استحكمت من امر المسلمين وعقولهم. أخذت دائرة المدرسة النقلية تتسع على حساب المنهج النقدي المعرفي، وكما ذكر نصر حامد ابو زيد في كتابه الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، فان الوعي الجمعي للفكر الاسلامي استقر على اعتبار القواعد التي يتلقونها عن المذاهب الاسلامية، بكونها قواعد ثابتة ذات منطلق عقدي او ممتدة عبر الوحي الالهي، وليست قواعد تكوّنت وتراكمت عبر صيرورة تاريخية محكومة بقوانين اجتماعية وقواعد ثقافية خاصة، ومرحلة تاريخية محددة. هذه الشمولية في توسيع سلطة النصوص، بل وجعل قراءاته ازلية، ثم تقييد القياس ليكون مجرد أداة اكتشاف الثابت من النص، قد ألغت وعي الانسان وفاعليته العقلية، كما أهدرت خبرته التراكمية، وقضت تماما على المنهج النقدي وتطور نظرية المعرفة. ومما زاد في تحكم النص على العقل هو انتصار الدولة لتلك المدرسة النصية، ودعم سلطتي المجتمع والسياسة لإرادة رجال الدين والحكم في تكريس المنهج النقلي وإلغاء الفكر النقدي. وهكذا يأتي الأشعري في مجال العقيدة والغزالي في مجال الفكر والفلسفة، ويجمع بينهما ابن تيمية في استحقار العلوم الدنيوية، لتكتمل بهم دائرة تكبيل العقل العربي الإسلامي والهيمنة على مجمل الخطاب الديني والمعرفي حتى عصرنا الحالي.

بعد انهيار الدولة العثمانية وما شكله إحتلال الغرب للدول العربية من صدمة فكرية وحضارية للمجتمعات العربيه، أخذ مفكروهم وبعض الحكومات العربية يتساؤلون حثيثا عن أسباب التقدم العلمي للدول الغربية، وسبل الوصول إليه. وعليه، تم إرسال البعثات العلمية العربية إلى دول مختلفة من مثل إيطاليا، واسبانيا، وفرنسا وغيرها للوقوف على تلك الأسباب. حين عادت تلك البعثات أخذ روادها يقدمون إقتراحاتهم لتغيير المنظومة العلمية والفكرية في دولهم، وكان من أبرز من فعل ذلك العلامة رفاعة الطهطاوي وطه حسين وغيرهم ممن دعا الى تأسيس مشروع تطوير التعليم في مصر وغيرها من الدول العربية. كان المشروع النهضوي قائما على ضرورة الإهتمام بالإنسان عبر إصلاح الفكر العلمي والدفع بمنهج النقد العقلي ونظرية المعرفة، أي البحث عن الحقيقة أياً كان مصدرها. كما كان يعتبر أن الدولة لاتنجح في نهضتها إلا إذا عززت مفهوم المواطنة، القائمة على حرية الفرد والكرامة الإنسانية والمساواة. لكن سرعان ما تم الإنقلاب على ذلك المشروع النهضوي، بسبب إنقلاب السلطة السياسية ضده، وبسبب الرفض المجتمعي للتغيير القادم من الخارج؛ فالنظم الشمولية تخشى من دعوات الفكر النقدي وإطلاق الحريات لأنها ستنتج في النهاية جيلا قادرا على اختيار ومحاسبته من يحكمه، كما أن العقلية النقلية التي شكلتها الموروثات الدنية والثقافية للمجتمع العربي، تخشى دائما من التغيير كونه سينتج حتما مراكز جديدة في المجتمع قد تنهي مواقع بعض الفئات أو الطبقات السلطوية، ناهيك عن كون الخوف من الجديد والتمسك بثقافة الأجداد تبقى أحد السمات الطبيعية والبشرية لأي مجتمع.

في المقابل، ومن باب المقارنة، نجد أن اليابان قد عاشت تجربة مختلفة عن العرب رغم أن كلا التجربتين تشابهتا من حيث التوقيت الزمني والعوامل المادية. ففي فترة البعثات العلمية التي أنتجت الطهطاوي، كانت اليابان أيضا تعاني التأخر العلمي، حيث شعر اليابنيون بعد هزيمة الصين أمام بريطانيا بصدمة حضارية وفكرية لما كانت تمثله الصين لهم من رمز للحضارة والقوة. كانت رمزية الصين لليابان تشابه تلك التي مثلتها الدولة العثمانية، والخلافة الاسلامية عموما، في نفوس العرب قبل هزيمتها، ولكن ردت فعل اليابانيين في مواجهة تلك الوقائع كانت مختلف عن العرب. فبعد هزيمة الصين قررت اليابان نفض غبار الوهم عن عقولها، وإعادة تقييم نظامها التعليمي، فكان عنصر تحول في تاريخها. قامت اليابان بأرسال بعثات تعليمية للغرب واستقطاب العلوم الحديثة وترجمتها، واستقدمت مدرسين من بريطانيا وأمريكيا وغيرها، للعمل على تدريس أبنائها والمساعدة في إعادة هيكلت نظامها التعلمي وبناء نظام عصري جديد. كما فتحت أبوابها للعالم بعد إغلاق دام لمئات السنين، فحصدت اليابان تقدم علمي ومعرفي، إضافة إلى نظام سياسي مرتكز على تحقيق العدالة والديمقراطية.

خلافا لما حدث في العالم العربي، تم إستقبال أراء وأقتراحات البعثاثات العلمية اليابانية بحفاوة وإهتمام بالغ من قبل الدولة ومفكري المجتمع، ومن ثم قاموا متحدين بالعمل على تنفيذ مقترحات تلك البعثات التطويرية بكل دقة وحماسة، حيث أعادت اليابان بناء منظومتها التعليمية وفق الفكر النقدي المعرفي، وفتح الحرية المطلقة للعلم والاهتمام بالإنسان، فوصلت إلى ماهي عليه اليوم. ومن المهم أن نشير إلى أن عوام المجتمع الياباني كان قد خشي في البداية على تقاليدهم المحافظة من أفكار البعثات العلمية، ومدى تأثيرها على إرثهم الثقافي والأخلاقي، لكن ساهم إتحاد الدولة مع مثقفي المجتمع الياباني على ضروة وأهمية التغيير، بالتغلب على تلك المخاوف وبناء منظومتها العلمية والمعرفية الحديثة والتي إستمر تقدمها الى يومنا الحاضر، مع البقاء على إرثهم الأخلاقي الخاص. وعليه، لم يؤثر ذاك الفكر الاصلاحي الذي طالبت بها بعثاتها العلمية وطبقته الدولة، على رغبة المجتمع الياباني في المحافظة على تقاليدهم وأعرافهم الخاصة، بل إلى هذا اليوم مازال الشعب الياباني يتمتع بمنظومة تقاليد محافظة إلى حد كبير. وبالتالي يمثل اليابان أفضل نموذج على أن الدعوة إلى تحرير العقل، وإستبدال المنهجية النقلية بالمنهجية النقدية القائمة على نظرية المعرفة، لا يعني ترك العادات والتقاليد الحميدة في المجتمع، بل سيعمل ذلك المنهج النقدي على تطويرها والإضافة عليها. إنها النموذج الحي على أن الدعوات الاصلاحية التي نادت بها البعثات العلمية العربية، لو سمح لها بالتنفيذ، لتشابه ناتجها مع ما وصلت له اليابان من تقدم علمي ومعرفي، دون الإخلال بأسس الأخلاق والثقافة المحافظة في المجتمع العربي.

لم تتمكن الدول العربية من الانفكاك من موروثاتها الفكرية بعد خروجها من قبضة الإستعمار المباشر، رغم وجود بعض المطالبات الإصلاحية، بل إنتكست النظم التعليمية فيها بسبب السلطة المركزية الشمولية التي استبدت في حكم شعوبها، والتي عملت على الدفع بالمنهج النقلي دون النقدي المعرفي في وسائل التعليم لديها، منذ مرحلة الطفولة الابتدائية إلى ما بعد مراحل الدرسات العليا. وما ساهم بشكل كبير على غياب الإنتاج البحثي والعلمي في الدول العربية، هو قلة الإنفاق وعدم إهتمام الدول بدعم الباحثين وابحاثهم، أو حتى تشجيع الشركات الخاصة على دعم مراكز الأبحاث، وامتناع الدولة عن توفير البيانات الإحصائية الصحيحة أو السماح لمراكز مستقلة بجمعها. فخلال سنين طويلة في العصر الحديث، إقتصر إنفاق الدول العربية مجتمعة على أقل من 0.5% من مجمل الناتج القومي، والدول النفطية العربية مجتمعة تنفق أقل 0.32% ينما تنفق اليابان وحدها  3.5% ودولة العدو تنفق وحدها 4.2% لتكون الاخيرة أعلى دول العالم إنفاقا على البحث العلمي، حيث تصنفت في كثير من الأحيان كواحدة من الدول التي لديها أعلى نسب من الأوراق العلمية للفرد الواحد في العالم، وبالتالي تمكنت من إحتلال المرتبة الخامسة في الإبتكار، عام 2019، والتقدم  عالميا في تقنيات الحفاظ على المياه والتحلية ، وتمكنت من ابتكار التحديث الزراعي، وأبحاث الخلايا الجذعية، والعلوم الرقمية والكمبيوتر، وأبحاث الفضاء، والتكنولوجيا الطاقة الشمسية، والبطاريات الكهربائية. في المقابل تحتل بعض الدول العربية النفطية المرتبة الاولى في العالم من حيث الإنفاق على طباعة الكتب التاريخية، والموروثات الدينية، والرحلات الدعوية ونشر مذهبها التلقيني، حيث قدر ذلك الإنفاق بما يفوق موازنة دولة لعدة أعوام.

 ان نظام الدولة الشمولي جعلت الوظائف والترقيات في نظامها التعليمي خاضع لأسس مركزية قائمة على معايير غير موضوعية، مما أسهم في هدم الشعور الوطني باللإنتماء والولاء، ناهيك عن حرمان المجتمع من الكفاءات القادرة على تطوير المناهج والتعليم. كما أن البيئة الطاردة للفكر الاصلاحي باعتباره فكرًا غربيًا قادم من الخارج، وفقدان المجتمعات العربية للهوية التعليمية، قد أسهم كل ذلك بشكل مباشر في جمود العقل الإبداعي، وتقوقعه في مربع التلقين والتقليد. وهكذا ساهمت السلطات الاستبدادية، للدولة والمجتمع، بتخريج اجيال من المتعلمين وليس المفكرين عبر تحويل قنوات التعليم إلى ثقافة متراكمة من التجهيل الجمعي بالعقل النقدي، حتى أُغرق المجتمع بالشهادات غير القادرة في معظمها على العمل والإنتاج، وغير القادرة في نفس الوقت على استلهام وسائل النهضة وتغيير المسار. إن توافق السلطة الاستبدادية مع العقلية النقلية، وفكرة "الأبوية" في المجتمعات العربية، على رفض المنهج النقدي ومحاربة نظرية المعرفة، أدى إلى إفشال النهضة العلمية والحضارية، وإستقرار الإستبداد الفكري والسياسي في الوطن العربي. وهذا يثر التساؤل عن دور المجتمع العربي، وأثر فكرة الأبوية المستقر في وعيه الجمعي، في النهضة المعرفية والعلمية، وهو ما سنبحثه في المقال القادم.