ماجد هديب - النجاح - مخطئ هو كل من يعتقد بأن الشعب اللبناني قبل هذا الانفجار كان بخير، او انه كان يعيش حياة امنة وكريمة ،ومخطئ هو أيضا  كل من يعتقد   ان  لبنان  كان ينعم بالهدوء والاستقرار قبل تشرد مئات الالاف من شعبه وتناثر أشلاء المئات منهم ،بل ان الجسد اللبناني لم يتوقف عن  نزيفه الداخلي منذ عام 1975 ،على الرغم من كافة عمليات التجميل المتصلة والمتلاحقة لمعالمه الخارجية والترقيع أيضا ما بين الفينة والأخرى لبعض اطرافه ، ولذلك يمكن القول هنا بان   الانفجار الدامي الذي حدث  في المرفأ اللبناني لم يكن  عرضيا ،او انه كان ناجما عن خلل  او اهمال في نظام الحماية للمستودعات ،وانما هو بمثابة  الخنجر الأطول في خاصرة اللبنانيين ،ليس لدفعهم بقوة نحو الصحوة والنهوض لتصحيح واقعهم على أسس سليمة وقواعد صلبة ،وانما لدفعهم ومن حيث لا يدركون لتنفيذ  مخطط تم الاعداد  له  للقيام بعملية  ترقيع  جديدة لخارطة لبنان السياسية ، والتي تأتي في اطار سلسلة عمليات  التغيير  التي تحقق الامن المطلق  لأعداء لبنان بالمنطقة وحماية مصالحهم وفي مقدمتهم إسرائيل التي لن تتوقف عن دفع   الشعب اللبناني نحو الصدام والاستئصال  للإبقاء على امراء الحروب كواجهة لبنان السياسية لما امتازوا به من فوضوية في السياسة وتناقض في القرار ،ولعل ما جاء من تناقض في اقوال هؤلاء حول المواد المتفجرة المحتجزة، وما جاء ايضا  من صدام  بالتطبيق في  إجراءات حجز تلك المتفجرات ما بين الامن والقضاء ما يؤكد بان لبنان كان وما زال وسيبقى رهينة  لهذه الفوضوية في السياسة والتناقض في القرار ما لم ينهض  الذين  يدفعون حياتهم ومستقبلهم ثمن المحاصصة الطائفية  للقيام بعملية تجميل حقيقية تعيد للبنان وجهه الوطني .

ان الانفجار الدامي الذي هز لبنان واهتزت معه كافة مشاعر العرب والجماهير المحبة للأمن والعدالة والسلام  أيضا ما كان له ان يحدث لولا مجموعة  من العوامل التي تم التهيئة   والاعداد لها ،حيث يعتبر هذا التفجير بمثابة صافرة بدء الانطلاق بعملية التغيير وإعادة   رسم لبنان بما يخدم جميع الأطراف التي تلتقي مصالحها مع   إسرائيل ،ولذلك لا بد لنا من الإشارة هنا الى تلك العوامل التي كانت وما زالت بمثابة المدخل الأفضل  لهم لدفع الشعب اللبناني نحو الانطلاق   بهذا التغيير الذي خططوا له وفي مقدمتها اظهار فشل الحكومات اللبنانية المتعاقبة   في تحقيق أي خرق جدي في الأزمة الاقتصادية والحد من تبعاتها الاجتماعية في ظل اخطار ترسانة حزب الله العسكرية والتي ما زال يعتبرها البعض  كجزء من الجهود المتضافرة التي تبذلها إيران لتعزيز موطئ قدم لها في لبنان ومنه الى سوريا ،حيث لم يفلح حزب الله ونتيجة للكثير من سياساته   وسلوكيات  الخاطئة  في دفع الشعب اللبناني نحو الالتفاف حول حماية  سلاحه  باعتباره الأكثر صلابة في حماية لبنان والأكثر قدرة بالدفاع عن قراره المستقل. 

لقد  نجح المتآمرون على  لبنان  في دفع الشعب اللبناني الى تبني نظرية انه لا امن او استقرار في لبنان في ظل وجود حزب الله ،وان لبنان اصبح بمثابة المستنقع الذي لا خروج امن  منه الا بالقضاء على سلاح هذا الحزب  واستئصاله من خارطة لبنان الأمنية والعسكرية  ،وبانه  لا امن او استقرار او مساعدات دولية لحكومة فيها حزب الله في الوقت الذي أوقفت فيه الكثير من الدول مساعداتها للبنان   بعد ان قامت  الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وكندا وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي والعديد من دول أميركا اللاتينية أيضا بتصنيف حزب الله كمجموعة إرهابية. 

لقد اصبح قرار شطب حزب الله من الخارطة العسكرية بالمنطقة ومن ثم الأمنية قيد التنفيذ ،وان المساعدة في عملية إصلاح  الإدارة اللبنانية وفقا  لشروط وبرنامج البنك الدولي ووفقا لما جاء باشتراطات الدول المانحة تتطلب  أيضا شطب حزب الله سياسيا    ما لم يتوافق    مع باقي قوى العمل الوطني في لبنان، وبما يقضي الذهاب لتطبيق اتفاقات وتفاهمات وفقا للرؤى الامريكية والإسرائيلية ،وهذا ما سيجعل انتفاضة 17 تشرين التي ترفع شعار "كلهم فاسدون " الاكثر حضورا وتأثيرا ،بل والأكثر قوة في تحديد سيناريوهات المستقبل اللبناني في الايام القادمة ،وهذا ما سيجعل  من كل من تستر بشعارات لم تجلب للشعب اللبناني الا الانقسام وتكريس الطائفية  اكثر حرجا أمام ما سيشهده لبنان من تعميق  للانبطاح ،ومن  تخلي أيضا عن الثوب العربي ،ومن ابتعاد أيضا عن رابطة الانتماء لقضايا الامة وخاصة في ظل الاستغلال السياسي للانفجار والذي بدأ سريعاً من بعض الدول العربية     التي سعت وعبر وسائل اعلامها   إلى ربط  الانفجار بسلاح حزب الله وذلك فبل انتظار نتائج التحقيق اللبناني.

حتى لو لم تكن اسرائيل هي التي قد استهدفت المرفأ اللبناني بشكل مباشر  ،فقد بات من الواضح أن المؤامرة كبيرة ،لان الانفجار لم يأتي  في اطار استهداف اذرع ايران بالمنطقة   فقط ، بل هو في اطار استهداف  لبنان والدفع بشعبه  نحو اعادة صياغة خارطته الأمنية والسياسية والعسكرية ايضا  ،وبشكل يخدم الرؤى الامريكية والإسرائيلية بالمنطقة ،وهذا ما سيدفع  لبنان إلى مزيد من الفوضى السياسية والاقتصادية والأمنية وذلك ما لم ينهض شباب لبنان ليعيدوا لوطنهم  وجهه العروبي والوحدوي وثوبه الوطني أيضا الذي يريده له  كل من احبه وارتبط بشعبه ،وكل من بكى أيضا على ما حصل فيه من انفجار ،ومما يجري فيه والى الان من  فوضى في السياسة وتناقض بالقرار  في ظل استمرار سيطرة امراء الحروب وسماسرة الدم  وسطوتهم عليه.