أكرم عطا الله - النجاح -  

أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهداً ، هكذا يعزف مارسيل لحن الحزن ، لكن أم تامر ليست أجملهن بل أكثرهن تعاسة وبكاء لأن القلب الذي يفقد قلبه وينكسر من حيث لا يحتسب يحترق للأبد وتجف الدماء على جدرانه، لأن صدمة الفقد أكبر من أن تبقى متسعاً للحياة وخاصة حين يكون الفقد أكثر ايلاماً من كل التراجيديا التي جسدها الفلسطيني منذ الرحيل الكبير ولازال يبحث عن استقراره في الأودية والغابات.

 

لماذا تامر؟ وكيف تحول هذا الشاب إلى أيقونة محمولة في حدقات العيون قبل أن تحمله الأكتاف والقلوب التي انفطرت لحظة سماع النبأ، فكثير من شبابنا فقدوا في رحلة البحث عن الأمل المعلق وغرقت مراكب وستغرق أخرى طالما أننا غرقنا في الصراع وأصبح لنا حكماً يعيد انتاج أسوأ ما في التجربة العربية فقد تحول تامر رمزاً للظلم المركب وهنا فان مضاضة ذوي القربى كانت الأشد ايلاماً في التراجيديا.

 

فهو الهارب من وطن صار أضيق من خرم ابرة أما سياطه فتمددت بطول رحلة الغربة والشتات ولأن تامر اختصر الرواية منذ أن بدأ الفلسطيني بإشباع غريزة الحكم التي يتوق لها مجهزاً كل أقبية الاستمرار على جلود البشر وجوعهم وانسانيتهم ...مات طريداً وهو يبحث عن بحار بلا شواطئ طاحنة بعد أن صفعته أمواج بلا رحمة.

 

لأن تامر الهارب من عذاب احد بني جلدتنا الذي وضع بصمته بيديه السوداويتين على ظهر تامر بما امتلك من قوة وايمان ... ومن كفر أيضا فظل ظهر بطل التراجيديا ممهوراً رأته الزوجة وهي تضمد الوجع لتعطيه رخصة الفراق بلا طقوس الوداع الحزينة نحو مجهول ولأنه لم يكن يودع الأهل والوطن بل كان يودع الزنزانة للأبد هكذا ظن وهكذا كانت زوجته تواسي نفسها وهي تعد له حقيبة السفر دون أن تعرف أنه سيعود مسجى فوق الشعير.

 

كان محمود درويش يكتب عن غزة وحزيرانها الأسود الذي صنعته أيدينا لأن هناك من يرى الله على صورته ولأن السجين كان طامحاً لوراثة السجن ومتعجلاً في النص وفي اداء الدور، هكذا كان... فقد مثل تامر حكاية الفلسطينيين الذين كانوا يتوقون للوطن وللحرية وأن يحكموا أنفسهم يوماً ما وحين وصلوا عتبة الطريق فإذ بهم يكتشفون أن مساحة الحرية شديدة الضيق وأن فسحة العيش أصغر وأن السجين سيتحول الى سجان وسيفشل في التقليد لينتج شكلاً مشوهاً حتى في وسائل القمع والسجن.

تعلم تامر الصيدلة ليصف ويصرف أوجاع وطنه لكنه لم يستطع واعتقد مثل كل الشعوب أن من حقه أن يعترض ويطالب بحياة كريمة ليجد نفسه رقماً بلا اسم وجسداً بلا روح في زنزانة يقف أمامها من يمتلك شهية الشبح والتعذيب فقرر أن يغادر تاركاً زوجته وأطفاله وتاريخه وتعليمه عله يجد حياة أكثر كريمة أن يعطيه شعوراً بالإنسانية بعيداً عن الجلادين الجدد ولكن ككل الفلسطينيين كانت كل أنواء البحار تحاصرهم من كل جهاتها وليس سوى الموت ليموت بعيداً عن أهله هناك في الغابات الباردة يموت شهيداً طريداً حرق قلوبنا جميعاً وسيظل تامر الصورة لمأساتنا الجديدة حين نستبد وننهش بعضنا ونتسيّد بلا رحمة حياة ممهورة بالألم والحزن والانكسار الأصعب ....من ذوي القربى..!!!