نابلس - صادق الشافعي - النجاح - الانقسام الفلسطيني ليس أمراً جديداً، فتعبيره الأهم هو ذلك الذي يعيش بيننا وينمو ويترعرع ويتشعب منذ 15 سنة، حتى اكتسب نوعاً من المؤسساتية وأصبح هناك شكل من حال التعايش معه بحكم الأمر الواقع. لكن حال الوضع الفلسطيني العام: السياسي والتنظيمي والسلطوي ينكشف الآن عن حال يتجاوز حال الانقسام الموصوف إلى حال أسوأ.
وسرع كثيراً في الكشف عن هذا الحال الأسوأ مقتل المواطن نزار بنات. فقد رافق عملية القتل ونتج عنها، اتهامات مباشرة تطورت إلى تظاهرات شعبية في أكثر من مدينة ومنطقة رفعت فيها اتهامات لأجهزة السلطة بالتواطؤ والمسؤولية، ووصلت حد مطالبة البعض بإسقاط السلطة. وقابلت تلك التظاهرات، أخرى شعبية تدافع عن السلطة وتتمسك بقيادتها وبرمزها الأول.
وهذا ما أوجد حالة من الانقسام المجتمعي، حتى ولو أنها لم تكن شاملة تماماً.اللافت والمحزن أن هذا الحال الأسوأ جاء بديلاً لحال مفرح من التوحد الشعبي شملت كل مناطق الوطن والتجمعات الفلسطينية خارجه. وكان يفترض الاستفادة من هذا الحال والبناء عليه على كل المستويات، خصوصاً وأولاً على المستوى الداخلي وبما يعني إعادة ترتيب أوضاغنا الداخلية من سلطة وأجهزة ودوائر ومشاركة وعلاقات وصلاحيات، وصولاً إلى برامج عمل جديدة وديناميكية، وإلى هيئات قائمة على مبدأ الانتخابات والشفافية والرقابة وعلى الكفاءة وأوسع مشاركة ودور للناس. إضافة إلى ضمان حقوق الناس الديمقراطية السلمية في المراقبة والمعارضة الديمقراطية والانتقاد.
واللافت والمحزن أيضاً، أن هذا الحال الأسوأ المذكور يأتي في وقت تشتد فيه هجمة دولة الاحتلال، وتشتد فيه قبضة أقصى اليمين الصهيوني المتطرف على كل مرافقها ومواقفها وسياساتها على المستويين، الشعبي أولاً، ثم الرسمي السلطوي.
ويعبر ذلك عن نفسه في اشتداد الهجمة والوضوح الشديد في عناوينها الرئيسية وفي تعبيراتها وترجماتها الواقعية:
- في القدس والمسجد الأقصى وجوارهما (الشيخ جراح وأحياء وضواحي سلوان وغيرها).
والتعبير الأوضح عن ذلك تصريح رئيس وزراء دولة الاحتلال عن حرية العبادة لليهود في الحرم القدسي، وموافقته على اقتحامات المتطرفين للأقصى بحراسة أمنية. وهو ما يؤشر، إضافة إلى تعبيرات أخرى، على نية دولة الاحتلال حسم معركة فرض سيادتها على القدس كأمر واقع، تنفيذاً لقرار الرئيس الأميركي السابق باعتبارها عاصمة موحدة لدولتهم المحتلة.
- وفي اشتداد وتوسع حركة الاستيطان وبشكل سافر، وقح ومتحدّ ومستفز في الضفة الغربية، في المنطقة (ج) وفي الأغوار بالذات. وفي زيادة الحصار على قطاع غزة والعدوان عليه.
- وفي زيادة الاضطهاد العنصري ضد أهلنا الذين ما زالوا يقيمون على أرض وطنهم. وفي كل التفاصيل الأخرى.
واللافت والمحزن أيضاً، أن هذا الحال الأسوأ يستقر في وقت يشهد الوضع الدولي بشكل عام مؤشرات على بدايات تغير إيجابي لصالحنا ولصالح قضيتنا الوطنية، حتى لو كان هذا التطور الإيجابي نسبياً، أو ما زال في مقدماته أو بداياته.
لكن وضعنا الحالي لا يساعد على الاستثمار المناسب لهذا التغيير والبناء عليه في حركة سياسية موحدة ونشطة ومتكاملة على المستوى الدولي.
ويبقى الأهم أن هذا الوضع الداخلي الموصوف والمستمر يدفع بالمواطن العادي والبسيط إلى الاستنتاج المحزن أن النية غير متوفرة لإنهاء الانقسام، وبالخصوص لدى الجهات المعنية.
يؤكد ذلك، أنه لا توجد مبادرات لا جادة ولا نصف جادة من أي طرف فلسطيني للخروج من هذه الحال. فلم يحصل حتى الآن أن بادر أي طرف أو تنظيم فلسطيني منفرداً أو بالتوافق مع تنظيمات أو قوى مجتمعية أخرى إلى تبني دعوة واقعية وعملية بهذا الخصوص وعمل بديهي لتحقيقها.
وباستثناء دعوة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى عقد لقاء للقيادة المؤقتة لمنظمة التحرير (وهي الهيئة التي لم تجتمع ولم يفعّل دورها منذ تم الاتفاق على تشكيلها قبل سنوات عديدة) والتي لم تجد تجاوباً وقبولاً مهماً من الأطراف الأخرى. باستثناء ذلك، فإنه لم يحصل أن دعا تنظيم أو أكثر من التنظيمات الفلسطينية إلى مبادرة أخرى أو بديلة لا منفرداً ولا مع تنظيمات أخرى.
ولا حصل أن جرت محاولات جادة من أي طرف أو جهة فلسطينية لمحاولة تأمين تدخل عربي  للمبادرة إلى مساعدة القوى والهيئات والقوى الفلسطينية في الخروج من هذا الحال سواء جاءت المبادرة من دولة واحدة أو أكثر، أو من مؤسسة أو جهة جامعة. ولا أعلنت أي دولة أو جهة عربية من ذاتها عن تبنيها لمثل هذه المبادرة. حتى المبادرة المصرية التي كانت قد دعت إلى لقاء الكل الوطني على أرضها وتحت رعايتها تقرر تأجيلها إلى أجل غير مسمى بسبب عمق خلافات القوى الفلسطينية. ولا حصل أيضاً، أن بادرت قوى من المجتمع المدني الفلسطيني إلى تجاوز التنظيمات والهيئات القائمة، أو بالتنسيق مع بعضها، وقدمت مبادرة بنفس الهدف وعملت على تحقيقها.
يحضر في هذا المجال أكثر من