نابلس - عاطف أبو سيف - النجاح - يلاحظ المراقب، في الأشهر الأخيرة، دعوات عديدة لإعادة تشكيل جبهة يسارية أو تكوين حزب سياسي جديد، وهي دعوات تعكس المأزق الحقيقي لليسار الفلسطيني. وأظن أن أحداً لا يمكن أن ينكر أن مثل هذا اليسار الحقيقي لم يعد موجوداً. وبعيداً عن البلاغة التي لن يختلف فيها اليميني عن اليساري، فإن الادعاء بوجود يسار فلسطيني "حقيقي" ليس إلا من باب اجترار الماضي، وتذكر الزمن الجميل. والشواهد كثيرة على ذلك، ربما ليس أقربها تبادراً للأذهان أن مجمل ما يمكن أن تحوزه الأحزاب التي تعرف نفسها بأنها يسار لا يمكن لها أن تحصل على أكثر من 5 بالمائة من البرلمان. ليس مرد هذا هيمنة تنظيمي "فتح" و"حماس" على أي انتخابات، ولكن لحقيقة أن اليسار لم يعد يساراً وعجز عن أن يشكل بديلاً يمكن الوثوق به.
لم تكن الأزمة يوماً في الفكرة، ولا في البرامج التي يمكن أن تشتق من أي فكرة. وهذا لا يقتصر على اليسار بل حتى على أفكار اليمين. دائماً ثمة سوء تطبيق وسوء فهم للأفكار الكبيرة. اليسار الفلسطيني ارتكز في الأساس على "معمل الأفكار" الذي أنتجته الماركسية واللينينية في تجليات مختلفة. بعض تنظيمات اليسار الفلسطيني ظلت وفية بشكل مطلق للفكرة الشيوعية الأولى، وبعضها الآخر خلطها مع الكفاح التحرري الثوري، والبعض الثالث أضاف وحذف حسب مذاقه الخاص. وفي لحظة شهدت مداً ثورياً عاصفاً نجحت تنظيمات اليسار بأن تشكل حالة توازن مع القطب الفلسطيني الأكبر المتمثل في الفكرة الوطنية الخالصة التي تشكلها "فتح". وحتى من قوة اليسار في ذلك الزمن كان هناك يسار فتحاوي، الذي يطيب لأقطابه أن يقولوا: إنه اليسار الفلسطيني الحقيقي الوحيد. لكن أيضاً وهذا من سر "فتح" أن تخلق هذا التوازن بين كل مركبات الوطنية المختلفة، ففيها تمتزج الأفكار وتتفاعل التوجهات، لكن كل ذلك تحت سقف الكفاح الوطني الخالص دون أي "منكهات" لا أيدلوجية ولا فكرية ولا تعصبية مثل حال اليسار أو اليمين الديني.
في الحقيقة انكشف عجز اليسار أو غيابه "الوجودي" وليس الادعائي في الفترة الأخيرة. إذ بات مجرد أداة في يد غيره و"ميكروفوناً" لخطاب آخر. وربما الخلاف العميق بين مكوناته يعزز هذا العجز. ويمكن لأحدنا أن يجلس مع أحد الحزبيين القدامي في الجبهتين أو الحزب ويسمع النحيب على الماضي الذي دمره بعض ساسة "الفند ريزنج" وأظن أن قولها وكتابتها بالنطق الإنجليزي مهم في هذا السياق، هؤلاء عشاق المؤسسات التي لا تعمل على شيء سوى استدامة نفسها وإنتاج عملها اللاهوياتي. وفي كتاب لي صدر قبل ستة عشر عاماً بعنوان "المجتمع المدني والدولة" (الشروق، 2015) تطرقت لبدايات هذا الانسلاخ الهوياتي في عمل المؤسسات لصالح أجندة المانحين على حساب الأولويات الوطنية والعامة. فالحزبي الجديد بات ينظر للسلطة أنها عدوه الأول (واستسهل ذلك) لأن مثل هذا الاستعداء يجلب له التمويل أكثر، ونقد السلطة يأتي بالمال وينتقص من هذا المال الموجه من المانحين للسلطة وبالتالي زيادته في الخانة الأخرى. بالتالي السلطة منافس على التمويل. هذه كانت إحدى أبرز "أنجزة" اليسار أي تحويله إلى "أن جي أوز". وبدل من الانشغال بالنضال والكفاح من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية التي هي جوهر أجندة اليسار، بات المساس بالسلطة هدفاً لأنه أيضاً إلى جانب خدمة المطلوب تمويلياً يمنح فرصة لتعويض النقص من خلال التبرير الذاتي: لماذا لا نقاتل من أجل حقوقنا؟ الإجابة لأن السلطة تقمعنا. فقط نريد أن نتذكر أن فدائيي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات كانوا يمشون عشرات الكيلومترات عبر الجبال والوديان والسهول، ويواجهون مئات الدوريات حتى يصلوا إلى أهدافهم. لكن الدافع غاب لذا وجب تركيز الجهد على "شماعة" يتم الزعم أنها السبب في عجز "الفدائي" الذي لم يعد فدائياً بل مسؤول للمؤسسة التي تسعى وراء تمويل الغرب.
من أساسيات وفلسفة التمويل في العلاقات الدولية هو أن أحداً لا يدعوك للعشاء بلا مقابل. بالنسبة للسلطة كجهة سياسية فهي صاحبة مشروع سياسي المجتمع الدولي معنيٌ بتحقيقه: أي السلام. نتفق، نختلف حول ذلك، لكنه واضح ولا مواربة في مواقف السلطة فيه. ماذا بخصوص من يتلقون تمويلاً من نفس الجهات؟ على أي أساس؟ لا أريد أن أناقش أكثر لأن هذا بحاحة لمقالات طويلة ليس موضعها هنا.
مثلاً الكثير من قوى اليسار لا تعرف أن أي إصلاح حقيقي لمنظمة التحرير ومنح كل تنظيم حقه ووزنه الحقيقي، يعنيان أن بعضها لن يكون له كرسي واحد في المجلس الوطني. وحتى حلفاء التيار الديني وممن يتقصدون الصدام مع السلطة وأقصد التنظيمات الكبرى في اليسار، فإنها من المؤكد لن تتمكن، إذا أرادت "فتح" أن تكون عادلة وتحترم رغبة الناخبين، أن تحصل على مقعد واحد في المجلس المركزي، أما اللجنة التنفيذية فلا يمكن أن يخطر ببالها أن يدخلوا بنايتها. وأنا ومن أجل أن يظل اليسار، الذي لم تعد للأسف تنظيماته تدرك دوره الحقيقي كضمانة للحفاظ على التوازن في النظام السياسي، لا أدعو لذلك، بل أدعو "فتح" وأتمنى عليها أن تتمسك بموقفها في الحفاظ على تمثيل اليسار في هيئات النظام السياسي العليا في أي اتفاق مع "حماس". لأننا لو طبقنا الحقيقة وأعطينا كل تنظيم حقه ووزنه الطبيعي فأظن أن على الكثيرين مراجعة حساباتهم.
في شهر كانون الأول قبل عامين ونصف العام (2018)، كتبت على هذه الصفحة مقالاً بعنوان "اليسار والدور الغائب"،  قلت فيه: إن اليسار لا يتراجع فحسب، بل إن ثمة امتزاجاً غير مبرر في أجندته مع قوى يمينية لا يمكن فهمه إلا في إطار فقدان البوصلة. المحزن أن اليسار الفلسطيني الذي أثرى الثورة والكفاح الوطني ببطولات يعتز بها كل فلسطيني، وقدّم زعماء وطنيين كانوا آباء مؤسسين في الحركة الوطنية، انهار وتراجعت مكانة قواه وتنظيماته الكبرى في النظام السياسي الفلسطيني، مرة أخرى، من المؤكد أن ثمة ظروفاً قاهرة، جزء منها يتعلق بالسياق العام والأمزجة وتبدل تطلعات المواطنين وأفكارهم، وحتى هذا يجب أن يبدو خطيراً؛ لأنه يعني العجز عن تكييف الأفكار حتى تلائم التحولات في المجتمع. لقد فعل ذلك بجدارة يسار أوروبا، حتى مفهوم الطبقة العاملة تم تغيريه منذ ظهور المهن الفنية الجديدة، وبالتالي كل منظومة الصراع الطبقي تحولت. في الحالة الفلسطينية حدث شيء عكسي... لقد باتت قوى اليسار، أكثر يمينية من اليمين المتشدد وغابت الأجندة الاجتماعية والنقاش حول تثوير المجتمع ديمقراطياً، بل إن سلفية يسارية جديدة طغت بطريقة أو بأخرى.
لم يعد هناك من يميز بين تناقضات أساسية وتناقضات ثانوية. هذا الفهم فقده اليسار. في المقالة المشار إليها قلت: إنه في ظل اختلافه عن القوى الحية في الحركة الوطنية تحالف اليسار بشكل مثير مع قوى اليمين الإسلامي، بل بات "ميكروفوناً" للإسلام السياسي. وظهر التحالف بعد هيمنة قوى اليمين الإسلامي في غزة على الحالة في القطاع معتمدة على هذا التحالف، ليس هذا فحسب، بل إن الأجندة الاجتماعية غابت بشكل كامل، وربما تم إغماض العين عنها حتى لا يتم إفساد الألفة السياسية الطاغية بين اليسار واليمين الإسلامي، وحتى لا يتم تعكير مزاج الأخير. تمت المغالاة في حالة العداء للقوى الحية في الحركة الوطنية، وتم تضخيم الصراع (وهذا يتكرر الآن) ولم يكن هذا تناقضاً أساسياً داخلياً، بل انتقل إلى كونه مركزاً لصراع. تخيل السياق الفلسطيني في كل تفاصيله تظن أن قوى اليسار متماهية مع غلاة اليمين. وإذا كان بعض الظن إثم، فإن ما يشار إليه هنا للأسف حقيقة.