نابلس - أكرم عطا الله - النجاح - لا مراجعة للذات ولا وقفة مع الوطن الذي يبدو كأنه يحترق وسط عشوائيات السياسة وللخوف ما يبرره في حفلة الجنون القائمة، قلق على المستقبل من حاضر يتخبط بجدارة وبانعدام الكفاءة، قلق على المواطن الذي بات مشتتاً وسط ثنائيات الخسارة التي تقف خلفه وأمامه وعلى يمينه ويساره، قلق على النظام السياسي الذي يبدو كأنه يتآكل بهدوء خافت، وقلق على التماسك الاجتماعي الهش بعد الفشل في تجديد نظامه السياسي.
قلق على الفصائل كحوامل للمشروع الوطني، قلق على «فتح» التي وقفت عاجزة وفي حالة دفاع عن النفس، قلق على «حماس» التي أرادت إشعال اللحظة وإذ بها تقف متهمة باستغلالها وقلق على كل الفصائل، وعلى القدس وفلسطينيي الداخل الذين انقسموا بين من يوالي حكومة متطرفة ومن يصطف على النقيض ومواطن تستفرد به الشرطة الإسرائيلية وجهاز مخابراتها لتكسره بعد أن أشهر وطنية ووزعها على كل شوارع مدننا هناك.
قلق على قطاع غزة الذي أنهكه الجوع والحصار والدمار والحروب التي لا تتوقف وبعد الحرب الأخيرة التي حلقت فيها الآمال حد السماء يعود الأمل لقفصه وتعود غزة لسجنها، وكأن حلماً عابراً بالانفراج مر سريعاً دون أن يترك أثراً بل خلف آثارا غائرة على جسد القطاع المثخن بالجراح حد أنه لم يبق متسع لخرم إبرة لكثرة النزيف وترف الانقسام وعبث الساسة وأوهامها، عاد ليضمد جراحه فلا إعمار ولا رفع حصار ولا حتى أموال قطرية. كأن النصر تبخر كما كل شيء.
قلق على الضفة الغربية التي تنفصل فيها الروح عن الجسد، ويتظاهر الناس ضد أنفسهم أي ضد النظام الذي قاتلوا من أجل أن يتحقق وحين تحقق تعثر بقلة خبرته وارثه العربي  الذي نتوارثه جيلاً بعد جيل ونمارسه بكل ما أوتينا من قوة وغياب الحكمة، قلق من الاستيطان والتغول وانعدام الحيلة في مواجهة التصفية.
قلق على القدس وفي القدس التي تهدينا هويتنا الممزقة فرحاً وأملاً وهي تقف حزينة وحيدة يتيمة من العرب والمسلمين، هل تعرفون أن لها صندوقاً رصده العرب منذ أكثر من نصف قرن ولكنه فارغ إلا من التسمية، والفقر الذي يليق أكثر بأمة تقف خرساء وعمياء عندما يقتحم الحرم القدسي من المستوطنين يومياً، وتلك مفارقة ترسم واقع ومستقبل العرب.
الأسبوع الماضي، كنا نجسد واقعنا ونكسر كل أحلامنا ونحن نضيق ذرعاً بالكلمة ويتحول الوطن كله الى حفلة من الجنون والاستقطاب والردح المعتاد والشتم الذي أصبح واحداً من مكونات ثقافتنا السياسية، من يدافع عن القتل ومن يريد هدم المعبد وإحراق ما تبقى من خيام تتكسر من كثرة الرياح. تصوروا أننا بعد كل تلك التضحيات نجد بيننا من يخفف وطأة القتل.
تأسرني وتكسرني مقولة محمود درويش في رائعته، «حجر كنعاني في البحر الميت» حين يردد «أتعرف يا أبي ما حل بي». لدي رغبة لأناجي ياسر عرفات وأقول له أتعرف ما حل بنا؟ كل شيء يفلت من أصابعنا التي تحترق لأننا نصب الزيت على تاريخنا ولا نتوقف عن إشعال كل التفاصيل وكلما اقتربت من الانطفاء نمدها بمزيد من حطب عنفنا وشراستنا ومصالحنا وذاتنا وجهلنا وكأن ابن خلدون كان يكتب مقدمته لآخرتنا.
لست متشائماً ولكنني أرى أن العالم الذي بدأ يتعاطف معنا احتار منا إلى حد الغضب، وأخشى أن صبره ينفد وهو يرانا نفشل في بناء نظام سياسي ونهرب من الانتخابات وبلا برلمان أو مؤسسة وفوق ذلك لم نحتمل بعضنا ونقدم نموذجا آخر ما يريده هذا العالم ننتهي عند أول ما بدأه العالم في صراعات القبائل بلا رحمة.
أخشى أن لا أحد يريد أن يرى الصورة وينام على حرير الوهم كعادتنا في خداع الذات دون أن ندرك أن مياه النهر تسير من تحت أقدامنا، وأن التاريخ لا يتوقف عند الرغبات والمصالح الصغيرة وأخشى أن هذا المجهود الحاصل وغياب الحكمة في طريقه لنزع قرارنا والتدخل بعيداً عن إرادة كان يمكن أن تتجسد لو استكملنا مشواراً بدأناه هذا العام وحوارات بدت جدية في شكلها ولكنها مخادعة في مضمونها لنصدم شعباً تأهل وتأهب لبناء حجر أساس مستقبله.
ما الذي يحدث أمام هذه الصورة القاتمة. ماذا فعلنا بأنفسنا كي نرى كل هذا السواد الذي يحيط بنا؟ أخشى على صورتنا التي بدأت تزدهر أمام شعوب العالم والتي خرجت منذ أسابيع فقط تهتف لنا ولحقوقنا وتلعن الاحتلال، كيف تحولت الصورة في هذا الوقت القصير؟ أي فعل هذا الذي نتطوع فيه لنحطم زجاجنا الهش بلا رحمة وبلا أي حساب؟ كيف لشعب أن يفعل بنفسه ما فعلنا؟ لقد انتظرنا وكان الطريق طويلاً ودامياً كي نحكم أنفسنا وحين حدث رسبنا في امتحان الجدارة، أي فعل هذا؟
أخشى علينا منا، وأخشى على المشروع الوطني من حراسه. فالاحتلال زائل لا محالة هكذا قالت حكمة التاريخ ولسنا استثناء وإسرائيل ليست استثناء وستنكسر بلا شك وسيرحل الاحتلال ولكن هل سيرحل معها عقلنا الشرقي المستبد؟ هل سنبني دولة كما نحلم؟ هل سنقيم انتخابات في موعدها؟ هل سنحترم القانون؟ هل سيكون لنا برلمان؟ هل سنحترم حقوق الإنسان؟ هل سنحترم حرية الرأي؟ تساؤلات ترسم المستقبل الذي يبدو حاضره يجيب بالنفي بكل هذا التشاؤم لأن الخيال يصر على عقد قرانه مع الحاضر العبثي ويمشي متأبطأ ذراعه المكسورة...!!!