نابلس - هاني حبيب - النجاح - تفصلنا ساعات محدودة عن الإطاحة بنتنياهو كرئيس لحكومة الاحتلال، أو التمديد لحكومته الانتقالية مع فرص محدودة لعودته لرئاسة الحكومة، أو الخيار الأكثر احتمالاً وهو التوجه لانتخابات برلمانية خامسة، وفي حل نجاح زعيم المعارضة رئيس حزب «هناك مستقبل» يئير لابيد في تشكيل حكومة «التغيير» بعدما أعلن زعيم حزب يمينا المتطرّف نفتالي بينيت تشكيل ائتلاف حاكم بالتناوب، في هذه الحال فإن الأمر لا يتعلق فقط بالإطاحة بنتنياهو الذي توّج ملكاً لإسرائيل لاثنَي عشر عاماً متواصلة في رئاسة الحكومة، بل وأيضاً إمكانية أكثر احتمالات لبداية تفكك اليمين الاسرائيلي وتآكله وهو الذي هيمن على الساحة السياسية الاسرائيلية في العقدين الأخيرين.
لقد رفعت المعارضة لنتنياهو شعار التغيير بقصد الاطاحة به، إلاّ أنّ غطرسته وتنمّره أدى إلى أن يشكل خطراً داهماً على الدولة العبرية من حيث تصدّع البنية المهيمنة عليها من قبل اليمين الاسرائيلي بمختلف توجهاته وعقائده، ذلك أنّ سياساته قد أدّت إلى تحالفات جديدة قد تؤدي إلى تشكيل حكومة ائتلاف بين اليمين والوسط وبقايا ما يسمى اليسار في اسرائيل، وهو الأمر الذي من شأنه تزايد التصدعات في أوساط اليمين الاسرائيلي بعدما أدت هيمنته على الساحة الحزبية والرأي العام الإسرائيلي إلى تآكل واختفاء ما يسمى باليسار الاسرائيلي.
منتصف هذه الليلة الأربعاء – الخميس ربما سيصبح الزعيم الذي ليس لديه سوى سبعة مقاعد في الكنيست رئيساً لدولة الاحتلال في سابقة ذات دلالة بالغة الأهمية. فالتغيير مرة أخرى لا يطال نتنياهو فقط وكذلك وحدة اليمين الاسرائيلي، بل وايضاً بآليات «الديمقراطية الاسرائيلية» وهو ما يعكس طبيعة الأزمة البنيوية التي تجتاح دولة الاحتلال. فبينما لرئيس الحكومة في هذه الحال سبعة مقاعد فقط فإن نائبه لابيد يحتكم على 17 عشر مقعداً، في حين أنّ زعيم الليكود نتنياهو سيتزعم المعارضة رغم أن لديه 30 مقعداً، الصورة في مثل هذا الوضع أن الأقل تمثيلاً في الكنيست يصبح رئيساً للحكومة والأكثر تمثيلاً يصبح في زعامة المعارضة، وبالنتيجة فإن هناك انقلاباً حقيقياً في آليات الديمقراطية الاسرائيلية المزعومة.
حكومة بينيت في حال تخطيها عقبات التشكيل قد لا تعمّر طويلاً بالنظر إلى تناقضات مصلحية وأيديولوجية بين مكوناتها الغريبة والعجيبة، إلاّ أنها مع ذلك تشكل منعطفاً يطال الأزمة السياسية والحزبية في اسرائيل، ونقصد هنا أن تفكك قوى اليمين وتمزقها وانشقاقاتها سيستمر ويتعزز إلى ما بعد هذه الحكومة وفي الانتخابات التشريعية اللاحقة، فالاحتراب الذي ساد بين زعامات ومكونات اليمين، نتنياهو وقبيلته من جهة وبينيت وحاشيته من جهة أخرى أحدث صدعاً من الصعب علاجه أو ترميمه، ليس في الأوساط الحزبية المهيمنة ولكن أيضاً لدى الناخب اليميني، الأمر الذي من شأنه أن يترك آثاره وبصماته على مستقبل اليمين الذي كان مهيمناً على الساحة الحزبية والسياسية في دولة الاحتلال.
إنّ انشقاق جدعون ساعر عن حزب الليكود وإعلانه المنافسة على رئاسة الحكومة ضد نتنياهو قبل الانتخابات الاخيرة، شكّل إحدى العلامات الهامة في تآكل اليمين الاسرائيلي، إلاّ أنّ هذا الانشقاق لم يكن ليكون لولا من يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى بنيامين نتنياهو الذي كان مصراً طوال أربعة انتخابات على أن يظل رئيساً للحكومة ولم يستجب لنداءات ودعوات أنصاره في اليمين لكي يتنحى تاركاً الفرصة لبقاء هيمنة اليمين وزعامته على الحياة السياسية، الأمر الذي يعني أنّ نتنياهو ليس فقط خطراً على اسرائيل بل هو خطر على اليمين الاسرائيلي أيضاً، ذلك أنه لا زال مصراً على تزعّم هذا اليمين ولو في المعارضة.