صادق الشافعي - النجاح - مضى أسبوع على اتفاق الهدنة ووقف العدوان على قطاع غزة وما زال الاتفاق صامدا.
كل الأسماء التي أطلقت على العدوان الأخير والتصدي البطولي له والخسائر التي ألحقت بالمعتدي لها درجة عالية من المقبولية: انتصار... تصدي بطولي ... إنجاز... ندية ... درس موجع للعدو......
وفي جانب العدو الصهيوني، فرغم كل «التبهيرات» وكل الادعاءات الإعلامية والتصريحات السياسية فقد ظلت نتيجة المعركة بالنسبة لمواطن دولة الاحتلال هزيمة سياسية وعسكرية وأمنية، وللأهداف من ورائها، ولا بد ان يدفع مسببها الثمن قريبا.
وقد وصلت مفاعيل التصدي البطولي للعدوان المباشرة من الخوف والركض الى الملاجئ الى حصن بيت العدو في أكثر من مدينة ومنطقة وصولا الى عاصمته ومطاره الدولي. ولا بد ان تستمر هذه المفاعيل وتتطور في أكثر من مجال وشكل ومستوى من حياته الداخلية، السياسية، وأوضاع الحكم فيها واستقراره بشكل خاص.
التصدي البطولي للعدوان الأخير وهزيمته وإفشال أهدافه حمل معه اكثر من إنجاز نوعي لا بد ان تفعل فعلها المؤثر في الأيام القادمة:
الإنجاز الأول، هو الإضاءة بأسطع وأبهى الأنوار على وحدة الموقف الوطني الشعبي الفلسطيني في كل مكان تواجد فيه الفلسطينيون: في داخل الوطن بكل مناطقه وبكل وتنوع ظروفه، وفي كل تجمعاته خارج ارض الوطن. ولأول مرة منذ الانتفاضة المجيدة تتجسد الإرادة الوطنية موحدة كأوركسترا تعزف لحنا واحدا منسقا بين القدس والضفة وغزة واللد وأخواتها في مناطق 1948.
هذه الوحدة لم تقتصر على وحدة الموقف الوطني، ولكنها تجاوزتها الى وحدة الفعل النضالي على تنوعه في ارض الوطن بكل مناطقه وعلى اختلاف ظروفها، خصوصا وقد ظل العنوان الجامع لهذا الموقف الموحد هو الدفاع عن «القدس» بكلية ومركزية ذاتها وموقعها المتميز في التعبير عن كل النضال الوطني، وبمقدساتها أيضا.
لم يقلل من روعة هذا الإنجاز ومستوى شموله بأدنى درجة تصرفات نافرة، نادرة، ومحدودة لقلة قليلة جدا من بعض السطحيين المتشنجين (مثال: التهجم المرفوض والمدان على إمام المسجد الأقصى).
أما الإنجاز الثاني، فإن العدوان الأخير والأداء البطولي والشامل في التصدي له من كل أهل الوطن قد فرض القضية الوطنية الفلسطينية على المجتمع الدولي بدوله وشعوبه وهيئاته السياسية والمجتمعية. خصوصا ان هذا الفرض المذكور للقضية قد جاء مترافقا مع درجة عالية من الزخم الشعبي والسياسي، وعلى درجة من الوضوح والوعي لطبيعة النضال الفلسطيني بوصفه نضالا وطنيا ضد احتلال وضد دولة محتلة (كما تصفها قرارات المجتمع الدولي وهيئاته)، وان هذا الاحتلال يقوم على مبدأ الفصل العنصري. وان هذا الفرض للقضية قد جاء مترافقا أيضا مع حقيقة ساطعة الوضوح: ان الفلسطينيين لم ولن يقبلوا ان يعيشوا تحت حكم دولة ونظام احتلال، فما بالك وأنه نظام ودولة احتلال عنصريان، وانهم يناضلون لبناء دولتهم الديمقراطية المستقلة على ارض وطنهم.
ان هذا الإنجاز أعاد القضية الفلسطينية الى الوجهة بوصفها القضية المركزية في الشرق الأوسط. وهو ما يعد بفتح أبواب واسعة وواعدة أمام حركة سياسية دولية متنوعة ونشطة على المستويين الشعبي والدولي المؤسسي. خصوصا ان هذا الإنجاز يترافق مع متغيرات مشجعة في رؤى ومواقف دول ذات ثقل وتأثير مميزين. وانه يترافق أيضا مع مؤشرات على تطور في استعدادات عدد من الدول العربية لتطوير دورها وأدائها في هذا المجال.
ان تحقيق أعلى استفادة من الأداء البطولي القوي في التصدي للعدوان الأخير على غزة وإفشاله، ومن المتغيرات الإيجابية المشار إليها مرهون بالأداء الوطني الفلسطيني بمؤسساته وأجهزته وقواه السياسية التنظيمية. وان مفتاح هذا الأداء والنجاح فيه يكمن في وحدته ونضاله الموحد.
ان وحدة القوى الفلسطينية ووحدة أدائها ظلت دائما، ضرورة أساسية من ضرورات النضال الوطني الفلسطيني بشكله الوطني العام وبتفاصيله وضروراته الوطنية. وهي تكتسب في هذه الأيام ضرورة استثنائية بما تفرضه من مهمات وواجبات وطنية ملحّة عامة عنوانها الرئيسي: استمرار اعتداءات دولة الاحتلال على القدس ومقدساتها وتهجير أهل وسكان ضواحيها - حي الشيخ جراح وإحياء من سلوان - ومصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، ومواصلة حصار غزة، وعناوين تفصيلية متنوعة أخرى مثل المسؤولية المباشرة عن التعامل مع الحملة العربية والدولية لإعادة إعمار غزة من الدمار الذي ألحقه بها العدوان الأخير.
وما دام لا حديث عن انتخابات قريبة فلماذا لا تكون هناك مبادرات أخرى تعوض وتشكل بداية يمكن البناء عليها لاحقا. لماذا مثلا، لا تكون البداية في دعوة الجميع الى حكومة وحدة وطنية تشترك فيها كل التنظيمات - ويا حبذا لو تشارك فيها أيضا كفاءات نضالية وخبرات أكاديمية - تتولى مسؤولية التعامل مع القضايا والعناوين الملحة وتمهد الطريق والأجواء لإجراء الانتخابات العامة في التوقيت والظرف المناسبين. ولماذا مثلا لا تتم الدعوة لاجتماع الأمناء العامين للتنظيمات كما حصل في مرات سابقة وكانت اجتماعات مفيدة، وذلك لمناقشة القضايا الملحة والتفصيلية والاتفاق على المبادئ والسياسات الأساسية التي تحكم ترتيب البيت الفلسطيني؟

 

عن جريدة الأيام