صادق الشافعي - النجاح -  كان موضوع المقال الذي نويت كتابته هو عن «يوم الأرض» وارتباطه بفصل الربيع وجمالياته وبيوم المرأة وعيد الأم وذكرى معركة الكرامة. وكلها عناوين تشترك في جماليات مبهرة وقيم إنسانية وطنية عليا، وكلها تستحضر الفخر والاعتزاز ويملؤها الأمل والتفاؤل والإقبال.
لكن أخبار مساء الاربعاء، وبعد تقديم كل القوائم الانتخابية الى لجنة الانتخابات المركزية، وبشكل خاص: القائمة الرسمية باسم اللجنة المركزية للحركة( العاصفة)، والقائمة الائتلافية بين مروان البرغوثي وناصر القدوة، إضافة الى الإعلان ان عدد القوائم التي قدمت الى لجنة الانتخابات المركزية وصل الى 36.
هذه الاخبار فرضت تغيير موضوع المقال باتجاه التساؤلات المصحوبة بالقلق والتخوف.
هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها حركة فتح محاولات خروج عن الطاعة وعن وحدة الحركة، ولأسباب ودوافع مختلفة. لكن جميع المحاولات كانت محدودة وآنية وبعضها كان مشجعاً ومدعوماً من قوى خارجية. وذلك ما جعل حركة فتح قادرة على التعايش مع تلك المحاولات على طريق احتوائها، وقد نجحت بذلك فعلاً.
ساعد في ذلك كثيراً في تلك الأيام، تماسك الهيئات القيادية الأولى لحركة فتح وسعة صدرها ومرونتها وبعد نظرها. ثم أنه لم تكن في ذلك الوقت سلطة ومواقع ومراكز نفوذ وامتيازات ودرجات وحوافز و...و...
الآن الوضع مختلف، فهناك داخل حركة فتح منذ بعض الوقت ما يشبه حالة المخاض تشمل معظم الحركة وأطرها وهيئاتها تطالب بالتغيير وتمهد له.
وجود  قوائم انتخابية تحمل اسم «فتح»، إضافة الى ما يقال عن نزول اعداد من كوادرها على قوائم انتخابية مستقلة أخرى، يضعف فرص «فتح» الرسمية على الفوز بالانتخابات ونتائجها فيها، ويضعف من دورها في تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني: هيئات قيادية وبرامج وسياسات ومواقف.
أما احتمال لملمة «فتح» لمن نجح في الانتخابات من منتسبيها في كتلة واحدة فيبقى احتمالاً ضعيفاً.
ليست أحوال «فتح» وحدها ما يبعث على القلق والخوف تجاه الانتخابات التشريعية.
- مجرد تقدم 36 قائمة انتخابية، يؤشر بقوة على حالة من التشتت في المجتمع، وعلى ضعف شديد في تمثيل التنظيمات السياسية القائمة، وفي حضورها الجماهيري.
- ثم هناك الموقف من الانتخابات في القدس: هل سيكون ممكناً إجراؤها في المدينة بشكل طبيعي وكامل، ام ستقوم دولة الاحتلال في التوقيت المناسب لها بمنعها بحجة ومنطق سيادتها المطلقة والمنفردة على كل المدينة المقدسة، وهل سيسمح لها المجتمع الدولي بذلك او يسكت عنه.
فبعد اليوم الذي أجمعت كل القوى الفلسطينية في خطابات علنية وامام تجمع جماهيري داخل مدينة القدس في 29 آذار على ان «لا انتخابات تشريعية بدون القدس»، خرج القيادي في حركة حماس «أبو مرزوق» في اليوم التالي مباشرة في تغريدة له عبر «تويتر» تقول: «نرفض تأجيل الانتخابات تحت أي ذريعة، ... ولا لاستثناء المقدسيين من التصويت».
هل إذا حسمت دولة الاحتلال أمرها بمنع إجراء الانتخابات في القدس، هل سيكون ذلك مدخلاً لخلاف فلسطيني حول إجراء الانتخابات في كل الوطن وأولها القدس؟ ام مدخلاً لاتفاق وطني فلسطيني عام على كيفية وطرائق التعامل مع القرار الإسرائيلي والتصدي له، أو الالتفاف عليه؟
القرارات المنفردة ووحيدة الجانب من أي مسؤول او تنظيم هي ما يبعث على القلق وعلى الخوف، فالقضايا المركزية والعامة لا يجب التعامل معها الا بالقرار الوطني العام بعد تمحيص ونقاش جماعي جدي ومسؤول.
تصريح أبو مرزوق إذا كان كما نشر صحيحاً ودقيقاً ويعبر عن حركة حماس، فانه يفتح الباب امام ملاحظات وأسئلة حول مواقف حركة حماس تجاه الانتخابات التشريعية وارتباطها بالموضوع الأهم، وهو استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية مجتمعياً وبرنامجاً ومؤسسات وقيادةً وسياسات ومواقف.
أول الأسئلة هو قبولها بإجراء الانتخابات قبل البحث في الوضع الفلسطيني العام المنقسم والتوافق على كيفية الخروج منه.
ثم سؤال عن قبولها بدء الحوار حول الانتخابات قبل وبدون الاتفاق على الأساس السياسي الذي تتم على أساسه. بما يعني استمرار النهج السياسي القائم على حاله، نهج أوسلو والاتفاقات الأمنية والاقتصادية وغيرها، وعلى المفاوضات ومشاريعها التي لا ترى النور ولا تعيق سياسات العدو المحتل في الاستيطان والضم والإلحاق.
وهذا النهج هو الذي قامت «حماس» وكرست حضورها الوطني والنضالي على أساس رفضه والدعوة الى مغادرته.
هل وراء الإجابة عن مثل هذه الأسئلة قرار حمساوي حاسم بأولوية الذهاب الى الانتخابات اعتماداً على قراءتها للواقع الفلسطيني بان نتائج الانتخابات ستكون لصالحها بشكل عام، وان ذلك هو ما سيمكنها من فرض رؤاها وسياساتها، إضافة الى فرض شرعيتها إقليمياً ودولياً.
ويبقى الأهم: ان تجرى وتتم الانتخابات بأعلى درجات السلاسة والحرية والنزاهة والأمان.... وان تجرى في كل مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة .... وفي الأول والقلب منها في مدينة القدس وأحيائها......
وان تفتح الطريق أمام تمثيل ودور بقية الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم.                                                                 
 

 

نقلا عن جريدة الأيام