نابلس - مهند عبد الحميد - النجاح - تعيش إسرائيل أزمة حكم بنيوية، ومن مظاهرها تكرار انتخابات الكنيست للمرة الرابعة  خلال عامين، ولا يوجد بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة ما يوحي بأن هذه الانتخابات ستكون حاسمة أو أنها ستخرج الحكم من أزمته. الأزمة تتعمق وتستفحل برغم نجاحات حكومة نتنياهو في المجال الاقتصادي بضخ أموال للجمهور على خلفية جائحة كورونا، وتطعيم أكثرية المجتمع الإسرائيلي، وخفض نسبة البطالة، إضافة لإنجازاته الإقليمية، كالاتفاقات والتحالفات مع دول عربية، بالمفهوم الإسرائيلي الذي يستبدل حل القضية الفلسطينية كشرط لتطبيع الدول العربية مع إسرائيل، بالتطبيع مقابل التحالف ضد خطر إقليمي إيراني. وقد نجحت حكومة نتنياهو في صياغة حل لتصفية القضية الفلسطينية بالتعاون مع إدارة ترامب السابقة، حل يشطب قضية اللاجئين ويثبت الاستيطان والسيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، ويضم القدس والأغوار. ورغم اتفاق الأحزاب الإسرائيلية، يمينا ووسطا ويسارا، على المعاهدات العربية الإسرائيلية الجديدة وصفقة القرن. إلا ان ذلك لم يخفف من أزمة الحكم الإسرائيلي.
أغرب ما في هذه الأزمة أن الصراع بين أقطاب الحكم يدور حول "معسكر نتنياهو، ومعسكر آخر ضد نتنياهو" كما تقول د. هنيدة غانم. لا يوجد خلاف بين برنامجين لمعسكرين في قضايا السياسة والاقتصاد والأمن. الخلافات تدور بين علمانيين ومتدينين وبين تطرف أكثر وتطرف أقل. مقابل التقاء على جوهر المشروع الاستيطاني العنصري الذي يتبناه نتنياهو ويساهم في توطيده، التقاء يستند الى قاعدة سياسية اجتماعية قوية. فهناك 54% من الإسرائيليين يؤيدون بسط السيادة الإسرائيلية على كامل مناطق الضفة الغربية وفي أسرع وقت ممكن بحسب استطلاع أخير نشره موقع المشهد الإسرائيلي (مدار). ويكشف الاستطلاع ذاته، عن أن 58% من الإسرائيليين يعارضون إخلاء اليهود من منازلهم (في المستوطنات). مقابل ذلك هناك 44% من الإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين – طبعا دولة فلسطينية دون القدس واللاجئين والأغوار والأراضي المقام عليها مستوطنات والمرتفعات الاستراتيجية. في ظل هذا الاستقطاب الناجم عن تحولات داخل المجتمع والمؤسسة الإسرائيلية، يتحول الخلاف بين المعسكرين على بقاء أو سقوط نتنياهو. وحول ضلوع نتنياهو في قضايا فساد وفي أحسن الأحوال يدور الخلاف حول مساعي نتنياهو لإخضاع المؤسستين القضائية والشرطية، وتشويه "الديمقراطية الإسرائيلية" وحكم القانون، في سبيل البقاء في الحكم أطول مدة.
يدور الحديث عن تحولات ديمغرافية واجتماعية بفعل عمليات الهجرة المستمرة وبخاصة الموجات القادمة من الاتحاد السوفييتي سابقا، التي فتحت الأبواب على مصاريعها أمام الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967. ويتحدث كثيرون عن دور المراكز الدينية المتزمتة والمتغلغلة في مؤسسات الدولة في الانتقال من الصهيونية العلمانية القومية الى الصهيونية الدينية. ما كان للهجرة والاستيطان والأصولية ان تحدث التغيير بمعزل عن الاحتلال والكولونيالية والدور الوظيفي في تكريس الهيمنة على شعوب وموارد المنطقة. الاحتلال الذي تولى كبح تطور المجتمع الفلسطيني بشكل دائم، هو الاحتلال الذي تولى تشويه المجتمع الإسرائيلي وإخراجه من منظومة المواثيق والقوانين والمعاهدات الدولية ووضعه فوق القانون، وهو الاحتلال الذي يحول دون خروج الشعوب العربية من علاقات التبعية ومن قبضة النظم المستبدة، بل وعمل من خلال الاتفاقات الأربع الجديدة – القابلة للزيادة – على تثبيت علاقات التبعية والاستبداد والهيمنة. رغم أهوال هذا النوع من الاحتلال الكولونيالي، وتأثيرها الذي يطال المجتمع الإسرائيلي ويتولى تشويهه بالعنصرية واضطهاد الغير ونهب موارده لا توجد كلمة احتلال في الصراع بين المعسكرين اللذين سيذهبان صبيحة، اليوم، إلى صناديق الاقتراع. لم يعد الاحتلال مطروحا على بساط البحث الإسرائيلي الداخلي. ولم تترافق مع هذا الإنكار حملة سياسية فلسطينية تطرح قضية الاحتلال في الدعاية المركزية للقائمة المشتركة التي أتمنى لها فوزا كبيرا، الاحتلال الذي أفرز قانون القومية ومنظومة القوانين العنصرية الأخرى. بل لقد تولت القائمة الموحدة للحركة الإسلامية الجنوبية التي يتزعمها منصور عباس التناغم مع معسكر نتنياهو في تحويل قضية الشعب الفلسطيني في مناطق الـ 48 الى قضية تحسين شروط الحياة بفتات يقدمه نتنياهو. النظام  والمعارضة الفلسطينية بدورهما، يعيشان حالة من الترقب بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية دون طرح قضية الاحتلال وفرضها على الأجندة الإسرائيلية. وتحديدا فرض الوجه الأكثر قبحا للاحتلال الممثل برفض تدخل المنظمات الدولية وبخاصة محكمة لاهاي، ومعاقبة كل من يتجرأ على عرض الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية على المنظمات الدولية ذات الاختصاص لمساءلة ومحاسبة دولة الاحتلال.
المعسكران (نتنياهو ضد نتنياهو) يستخدمان العقوبات بدءا بعقوبة وزير الخارجية رياض المالكي والتهديد بعقوبات اقتصادية ضد الشعب الفلسطيني وكل من يطرح الاحتلال على الأجندة. وبهذا المعنى فإن الاحتلال يعاقِب ولا يعاقَب. في كل الزمن المخصص لإيجاد حل سياسي، قامت سلطات الاحتلال ببناء أدوات السيطرة والتحكم والعقاب، في الوقت الذي لم تبن فيه السلطة والمنظمة والمعارضة أدوات ومقومات تحويل الاحتلال الى قضية خاسرة بالحد الأدنى. لقد دخل النظام الاستعماري الإسرائيلي مرحلة هي الأكثر توحشا، ويراوح النظام الفلسطيني في سياسة تقليدية هي خليط من الرفض والاحتجاج والمناورة والتنازل والانتظار المفتوح على المجهول. في حين تدشن مجموعات من المثقفين من داخل أبراجهم العاجية سياسة "الرقص مع الذئاب" فيما يسمى دولة واحدة "متحضرة"، تجمع مستعمرين متفوقين بالقوة العسكرية والاقتصادية، مع شعب تحت الاحتلال. دون ان تخوض  في صراع فرض التراجع على المحتلين ووقف جرائمهم ونهبهم، دون ان تتوقف عند كيفية تفكيك القبضة الاستعمارية من قبل كل من له مصلحة في التمرد على الدور الوظيفي والتحويلي الرجعي.
المشاركة في هذا المآل الذي وصلت إليه دولة المستوطنين، قبل الانتخابات وفي الدعاية الانتخابية لنتنياهو وأثناء وبعد الانتخابات هي الدول العربية التي أبرمت اتفاقات التحالف والتتبيع بأثمان رخيصة، وتحديدا التي قدمت للاستثمار في إسرائيل مبلغ 10 مليار دولار، هي الدول التي رفضت قرار محكمة الجنايات الدولية بمساءلة إسرائيل، هي الدول التي تعتبر الـ"بي دي اس" - حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات حركة معادية للسامية.
بقي القول، ان أزمة الحكم الإسرائيلي هي نتيجة لعلاقات القوة بين التابع والمتبوع داخل المنطقة، وعلى صعيد كوني هي مرحلة التوحش الاقتصادي والسياسي والأمني والأخلاقي، المرحلة التي يُشترى فيها لقاح "كوفيد 19" المتوفر بكثرة لدى نتنياهو مقابل نقل سفارة بلد من تل أبيب الى القدس، ويُشترى باللقاح رفات جنود في بلد آخر. مرحلة التوحش التي يشطب فيها اسم بلد من الإرهاب ونظام العقوبات مقابل الاعتراف وإقامة علاقات دبلوماسية.