نابلس - صادق الشافعي - النجاح - أن يصل الاهتمام بالانتخابات والنجاح في تحقيقها حد القلق هو أمر مشروع ومتوقع.
انه قلق يتوازى مع مستوى الآمال المعقودة على نجاح الانتخابات، وأيضا مع المخاوف من فشلها أو تأجيلها. وهي مخاوف تأتي من رؤية المخاطر الموضوعية سواء أكانت خارجية أم نابعة من الذات.
في الأيام القليلة الأخيرة، انعقد الاجتماع الثاني للفصائل الفلسطينية في القاهرة.
وكما كان متوقعا ومعلنا فقد تركز البحث فيه على موضوع المجلس الوطني الفلسطيني والاتفاق على كيفية تشكيله ووسائل وقواعد وآليات ذلك. وبدرجة اقل على منظمة التحرير نفسها وتفعيل دورها وتمثيلها وقيادتها لكل مكونات الشعب الفلسطيني وفي جميع أماكن تواجده.
كما تناول الاجتماع عناوين إدارية وقانونية حول الانتخابات التشريعية القادمة وآليات إجرائها وضمانات سلامتها وسلاستها وديمقراطيتها ... وتمت صياغة كل ذلك في وثيقة شرف وقع عليها كل المشاركين في الانتخابات.
ويلاحظ أن بعض الصياغات في الوثيقة أعطت اعترافا مواربا شرعن أجهزة وهيئات أمر واقع جاء بها الانقلاب ولم تكن تحظى بالشرعية.
وكما هو متوقع أيضا، لم تتم مناقشة الأساس السياسي الذي تقوم عليه الانتخابات. ولم تنجح محاولات «الشعبية» و»الجهاد»، كما في الجولة الأولى، في إضافته إلى جدول الأعمال بما يعنيه ذلك من تأكيد للنهج القاضي بتأجيل وتسكين الخلافات الوطنية بعناوينها الرئيسة وتحميلها على نتائج الانتخابات التشريعية - وربما الرئاسية - وعلى توازن القوى الذي سينتج عنها. وبما يعنيه ذلك أيضا من إبقاء لعوامل الخلاف الداخلي الأساسية معلقة ومؤجلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات المذكورة، في مراهنات من البعض على نتائج الانتخابات وتوافقها مع رؤاها، وبما يخدم تشريع مكتسباتها ومصالحها القائمة أيضا.
في المخاوف حول تأجيل الانتخابات، لا تحتل العوامل الوطنية الذاتية (المتعلقة بالتنظيمات ومواقفها) موقع الصدارة والأولوية. فهناك اطمئنان بتوفر القناعة والرغبة في إجراء الانتخابات لدى الكل التنظيمي الوطني في تجاوب مع الحالة الجماهيرية العارمة في قناعتها وحماسها لإجراء الانتخابات ونجاحها. وبالتالي، فمن المستبعد أن يـأتي قرار التأجيل أو الإلغاء - إن حصل - من الذات والإرادة الوطنية الفلسطينية أو أي من مكوناتها التنظيمية والسياسية، بغض النظر عن أي حديث يطفو على السطح عن أوضاع وظروف هذا التنظيم أو ذاك ومصالحه الخاصة سواء في حصول الانتخابات، أو في تأجيلها أو إلغائها. يؤكد ذلك ما نشرته حركة حماس عن رفض الرئيس أبو مازن إلغاء الانتخابات استجابة لطلب من دولة الاحتلال.
ما يحتل موقع الصدارة في المخاوف هي العوامل الموضوعية والخارجية.
عن العوامل الموضوعية: فإن العامل الذي يقف في مقدمتها هو عامل «وباء كورونا»، واحتمال استفحاله وانتشاره ليصل الى درجة الوباء الشامل، بما يجعل إجراء الانتخابات والتجمعات التي تستدعيها للدعاية الانتخابية او عند صناديق الاقتراع، خطرا صحيا مجتمعيا لا يحتمل المجازفة، خصوصا إذا استمرت عملية التطعيم ضد الوباء بنفس الوضع والوتيرة الضعيفة جدا كما هي عليه الآن. علما ان السبب الأساسي وراء ذلك هو عدم النجاح في الحصول على الكمية اللازمة من الطعوم رغم المحاولات الجادة لتأمينها وتوفير التمويل المطلوب لذلك، ورغم المحاولات الجادة للتغلب على الموانع والمعيقات التي تفرضها دولة الاحتلال على وصول اللقاحات وانتقالها.
أما عن العوامل الخارجية فيقف على رأسها وفي مقدمتها دولة الاحتلال والدور الذي يمكن ان تلعبه في إعاقة او وقف وصولا الى منع الانتخابات إذا وصلت الى قناعة بأن الانتخابات ونتائجها ستكون ضدها وضد سياساتها وضد استقرار احتلالها وتوسعها، أو ان الانتخابات ستقود الى إعادة توحيد الصف الوطني الفلسطيني: قيادة وبرنامج وسياسات ونضالات، وتحالفات، وهو ما ظلت وما زالت تضعه في خانة المحرمات الكبرى.
في يد دولة الاحتلال أوراق مهمة لمنع إجراء الانتخابات، لم تعلنها صراحة حتى، الآن، وستعلنها وتلعبها في الوقت المناسب لها وحسب حاجتها.
تستفيد في لعب تلك الأوراق من حقائق قوة الأمر الواقع التي تملكها عبر احتلالها وسيطرتها العسكرية والأمنية والجغرافية. وتستفيد أيضا، من ضعف وقصور فعل وتأثير العامل الدولي، ومن قدرتها على التعامل معه والتعايش مع مواقفه ومطالبه، أذا ما حصلت.
أول واهم الأوراق التي بيد دولة الاحتلال هو قدرتها على منع الانتخابات في القدس. خصوصا وأنها ترفض أي مظهر سيادي لغير ذاتها، (الانتخابات التشريعية مظهر سيادي للفلسطينيين)، وبالذات بعد اعتراف أميركا بالقدس الموحدة عاصمة لدولة الاحتلال، وبعد فتح عدد من الدول مقار بعثاتها الدبلوماسية في المدينة المقدسة.
وللعلم، فإن عدد سكان القدس الفلسطينيين يدور حول رقم 340 ألف بما يعني ان عدد من يحق له الانتخاب غالبا يزيد على 150 ألف، لكن لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية تعلن ان عدد المسجلين للانتخابات الحالية هم فقط 75400.
في موضوع الانتخابات في القدس، ليس هناك حتى الآن، موقف فلسطيني شديد الوضوح والتحديد كما سبق وأعلن في مرة سابقة عندما كان هناك احتمال الذهاب الى الانتخابات وكان عنوان الموقف حينها «لا انتخابات دون القدس».
هل يتكرر نفس الموقف أم يتم الالتفاف على منع دولة الاحتلال باللجوء الى وسائل وإجراءات تقنية، يساعد في الاتفاق عليها المجتمع الدولي ودوله الأكثر تأثيرا.