نابلس - عقل أبو قرع - النجاح - لفت انتباهي خلال الأيام القليلة الماضية نتائج دراستين بحثيتين، من بلادنا ومن دول العالم، حول مدى الانتشار ومستوى المقاومة التي من الممكن أن يبديها فيروس كورونا، الذي من الواضح أنه قد عاد يضرب بقوه وبأعداد أعلى وربما أشد فتكا، في بلادنا وفي الأردن وفي العديد من الدول الأخرى، القريبة والبعيدة عنا، وهذا دليل على أن هذا الفيروس وجد من أجل أن يتحور ويتطور ويقاوم ويبقى، وبأن هذا الفيروس ربما قد انتشر وبشكل أكثر اتساعا مما نعتقد، أو أكثر بكثير مما يتم الإبلاغ عنه من خلال الفحوصات عن الحالات المصابة.
الدراسة الأولى التي أجرتها ونشرت نتائجها وزارة الصحة الفلسطينية، بالتعاون مع معهد الصحة التابع لمنظمة الصحة العالمية، بينت وبشكل مفاجئ أن نسبة المناعة المجتمعية في بلادنا قد بلغت حوالي الـ 40% من عينات الدراسة، أو حوالي 2 مليون من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث إن الدراسة شملت عينات دم من أشخاص من مدن وقرى ومخيمات الضفة وغزة، ومن عينات من مختلف الأعمار ومن الجنسين وما الى ذلك من معايير علمية موضوعية، يتم أخذها بعين الاعتبار حين أجراء مثل دراسات كهذه.
والمناعة المجتمعية (مناعة القطيع) هنا تعني أن عينات الدم التي تم أخذها تحوي أجساما مضادة لفيروس كورونا، وهذا يعني أن هؤلاء الأشخاص قد تعرضوا بشكل أو بآخر الى هذا الفيروس في داخل أجسادهم، ولكن ودون أي شكوك حول نتائج هذه الدراسة، فهناك دراسات أخرى مشابهة قد تمت في مناطق مختلفة في العالم مع نتائج مرتفعة، وكان عليها تحفظات من عدة جهات، وبالأخص الدراسة التي تم إجراؤها في ولاية نيويورك الأميركية التي كانت الأكثر تضررا في بداية جائحة كورونا.
حيث كانت الملاحظات تتمحور حول دقة واختيارية الفحص أي قدرته على التعرف على الأجسام المضادة لفيروس كورونا فقط، وإذا لم يتم ذلك، فسوف يتم ظهور نتائج أجسام مضادة أخرى، ومن ثم ظهور النتائج ما يعرف بـ»الإيجابية الخاطئة» وهذا ما فسر النتائج المرتفعة جدا في مدى انتشار كورونا في ذلك الوقت في ولاية نيويورك، وهذا ربما يفسر نتائج نسبة الـ 40% من الدراسة التي تمت في بلادنا، أي أن حوالي 2 مليون فلسطيني قد أصيبوا أو هم مصابون بفيروس كورونا في الضفة وغزة.  ومعروف أن مصطلح مناعة القطيع، ببساطة يعني السماح باكتساب المناعة في القطيع (المصطلح أساسا جاء من خلال عدوى الماعز أو الأغنام)، وذلك من خلال السماح بتفشي الوباء بشكل حر في التجمع أو المجتمع، وفي موضوع «كورونا» في بني البشر، من خلال عدم القيام بخطوات وقائية أو علاجية، وبالتالي من يدخل الفيروس الى جسده، إما أن يعمل جهاز المناعة على مقاومة الفيروس وينجح في القضاء عليه أو الحد من تكاثره من خلال تكوين الأجسام المضادة الخاصة بالفيروس والتي تعمل على محاصرته، وبالتالي اكتساب المناعة المستقبلية ضد الفيروس.
والدراسة الثانية قامت بإجرائها ونشر نتائجها شركة فايزر/ بيونتك، الشركة المصنعة للقاح «كورونا» الأهم والأكثر أهمية والأكثر تنافسا عليه في دول العالم، حيث بينت أن فعالية اللقاح ضد النسخة المتحورة من فيروس كورونا والتي باتت تعرف بنسخة «جنوب أفريقيا» قد انخفضت بمقدار الثلثين، أو بالتحديد أن كمية الأجسام المضادة التي يحفز إنتاجها إعطاء اللقاح ضد «كورونا»، انخفضت بمقدار الثلثين، أي أكثر من 60%، ورغم أن نتائج هذه الدراسة أولية ولا تعني أن اللقاح غير فعال في منع أو في الحد من خطورة الإصابات، إلا أنها مقلقة ومركبة، لأنها تأتي من خلال الشركة التي تنتج اللقاح، ولأن النسخ المتحورة الأخرى من الفيروس أو تلك التي سوف تتحور لا توجد معلومات كثيرة عنهما.
والتصاعد المطرد في الإصابات بفيروس كورونا وفي سرعة تحوره، يدل على أن الغموض ما زال يكتنف هذا الفيروس، وأنه ورغم الدراسات والأبحاث والأموال التي تم ويتم إنفاقها من أجل التعرف أكثر عليه، ألا أن العلماء والمختصين لم ينجحوا بعد في معرفة آلية انتشاره، وطبيعة عمله أو تأثيره على الأجسام المختلفة لبني البشر، ومستوى أو تركيز الأجسام المضادة التي يفرزها جسم الشخص المصاب وبالتالي قوة وفترة المناعة، ومستوى أو مدة بقائه في الجو أو على الأجسام المختلفة، وكيفية إحداثه الطفرات أو التغيرات التي يقوم بها من أجل التحصن والمقاومة، وهذا جميعه ودون إجراءات وقائية فعالة يعني المزيد من الإصابات ومن ثم الوفيات.
ولا أحد يستطيع في الوقت الحاضر التنبؤ بكيفية انتهاء هذا الصراع الشرس بين «كورونا» والعالم، ومن ضمنه الدول الأقوى في العالم مثل أميركا وروسيا ودول أوروبا المختلفة، التي تشهد عودة قوية للفيروس وبكل المقاييس، والذي ما زال يربك خطط التعليم والصحة والسفر والسياحة والاقتصاد وخطط التنمية في مختلف دول العالم.
وهذا الصراع غير المتكافئ مع الفيروس قلب ما اعتدنا عليه في مجرى حياتنا خلال عشرات السنوات الماضية، فالتعليم سواء أكان تعليما عاليا أو في المدارس قد تغير تماما، سواء من حيث الشكل أو المستوى، ولن يعود الى ما كان عليه في المستقبل القريب، وأولويات الصحة، وبالأخص التعامل مع أمراض مزمنة من سكري وقلب وسرطان تغيرت، وأصبح الشغل الشاغل لدوائر الصحة في العالم ومنهم نحن هو «كورونا» وتبعاته، ومن الواضح أن الوضع لن يعود الى ما هو عليه قريبا، واستطاع هذا الفيروس أن يحطم السياحة وأن يغلق المطارات ويفرغ الفنادق من القادمين والمقيمين، ومن الواضح أن هذا سوف يستمر وبالأخص مع العينات المتحورة من الفيروس، التي أصبحت تنتشر في بقاع العالم.  
ومع تواصل الإعلان عن نتائج دراسات غير متوقعة، وعن اكتشاف العينات المتحورة الجديدة من الفيروس في بلدان العالم، وببساطة ومن خلال نتائج هذه الأبحاث أو الدراسات، فإنه من الواضح أن فيروس كورونا قد وجد من أجل أن يبقى ويقاوم ويتحور، وبالتالي يشتد شراسة، سواء فيما يتعلق في مدى انتشاره أو في خطورة الإصابات، أو الأكثر خطورة في تحييد أو الحد من عمل اللقاحات الحالية، والأدهى كذلك أن يبدأ الانتشار بقوة في الفئات العمرية الصغرى، أي أقل من 40 عاما، حيث بينت نتائج الفحوصات الإسرائيلية خلال الأيام القليلة الماضية، أن حوالي 40% من الإصابات الجديدة، هم ممن أقل من 39 عاما، وأن هناك تزايدا في أعداد الوفيات من الفئات العمرية الصغرى، وهذا مؤشر خطير ومقلق على ما يخبئه هذا الفيروس خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة، سواء عندنا أو في دول العالم.

نقلا عن جريدة الأيام