عاطف أبو سيف - النجاح - مع الوقت يتضح أن ترامب، قبل أن يغادر منصبه، ينفذ الشق العربي من "صفقة القرن" التي تبناها منذ توليه الحكم. وفيما فشل في إخضاع الفلسطينيين لمقصلته فإن الكثير من الدول العربية، حتى بعد علمها علم اليقين بأن ترامب بات من الماضي بعد خسارته المريرة أمام منافسه الديمقراطي، تقوم بتطبيع العلاقات مع تل أبيب وبالتالي تنفذ المطلوب منها في "صفقة القرن". صحيح أن ترامب قدم لبعض تل الدول هدايا وعطاءات سياسية مختلفة، إلا أن الحقيقة المرة أن نتائج تطبيعها للعلاقة مع تل أيبب تصب فقط في إنجاح شق من "صفقة القرن"، إنه الشق المتعلق بالعرب. أما الشق الفلسطيني من الصفقة فسيظل معلقاً حتى لو عاد ترامب للحكم مرة أخرى؛ لأن ما يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية لا يستطيع أحد مساسها.

لا أحد يعرف كم من الدول العرب ستحذو حذو المغرب والسودان والبحرين والإمارات قبل أن تنتهي ولاية ترامب الحالية، لكن لا يبدو هذا مستبعداً، إذ إن العمل المستمر الذي قامت به إدارة ترامب من أجل تنفيذ هذا الشق من الاتفاق بدأ يأتي أُكله في اللحظات الأخيرة من عمر هذه الإدارة. وعليه فلن يكون من المستغرب أن نجد ومع نهاية فترة ترامب أن قرابة نصف الدول العربية (آخذين بالحسبان أن ثمة دولتين عربيتين لديهما علاقات طبيعية مع إسرائيل بحكم اتفاقيات السلام، وهما: مصر والأردن) باتت تربطها علاقات طبيعية مع دولة الاحتلال التي ما زالت ترسم على عملتها خارطة إسرائيل الكبرى دون أن وازع حتى لأصدقائها الجديد وهم يقدمون قرابين الطاعة. من المؤكد أن رغبة واضع الصفقة لم تصل لشمل دول مثل سورية أو لبنان في نطاق الترويض المرتقب أو ما يعرف بالتطبيع، إذ إن هاتين الدولتين لديهما مشاكل حدودية وحروب بحاجة لاتفاق سلام وليس لتطبيع مع تل أبيب التي يجب عليها أن تقدم شيئاً فيما يتعلق مثلاً بالأراضي السورية المحتلة فيما يتعلق بسورية، وبمزارع شبعا فيما يتعلق بلبنان، وربما أن بعض الدول العربية لا يبدو الحديث عن تطبيع بينها وبين إسرائيل مفضلاً رغم تبريد العلاقات بينهما بسبب التركيبة الطائفة فيها مثل العراق، وبعضها لأسباب تتعلق بالمكانة الدينية مثل السعودية. وبعبارة أخرى فإن فكرة توطين إسرائيل في المنطقة، وعدم التعامل معها كدولة عدو هي جوهر مفهوم التطبيع بينها وبين الدول العربية. وبالنظر إلى مآلات الحالة العربية، فإن تل أبيب مع الوقت باتت تصبح مواطناً صالحاً في المحيط الذي كان يعاديها. وسيمر زمن قبل أن يكتشف العرب "الخازوق" الذي شربوه كما يقول المثل، ولكن حين يكتشفون ذلك يكون قد اجتاز الحصان اسكدار كما يقول الأتراك. وفي كل الحالات فإن هذا يشكل تنفيذاً ولو جزئياً للمركب أساساً من "صفقة القرن"، وأيضاً دون مقابل سياسي ولا أي فائدة عربية.

صحيح أن قرابة مليون سائح إسرائيلي سيصلون إلى الإمارات خلال عامين، ولكن هذا لن يفيد الاقتصاد الإماراتي؛ إذ إن مقدرة الإمارات على تثوير الاقتصاد السياحي لديها تتضاعف عشرات مرات بوجود أو من دون وجود إسرائيل بفضل ما اكتسبته دبي من سمعة عالمية. وصحيح أن بعض الدول العربية الأخرى قد تستفيد في مجالات الزراعة وبعضها التسلح لمواجهة خصوم وأعداء محليين، إلا أن كل هذا سيكون على حساب مجالات أمنية واقتصادية سينكشف أثرها لاحقاً. تماماً مثل اللقاح الذي تظهر آثاره الجانبية بعد سنوات. في المحصلة، فإن الخسارة لا تكون دائماً مباشرة ولا تظهر أعراضها بشكل جلي فور خوض المعركة أو تلقي الضربة، مثل الكدمة التي يظهر أثرها بعد أيام.

نتائج هذا أن الحالة العربية لم تعد سوية بالشكل المتوقع أو المطلوب. في الحقيقة لم تكن سوية بشكل كامل في أي يوم من الأيام من حيث الجوهر، لكنها على الأقل كانت ظاهرياً تبدو كذلك. الآن لا من حيث الجوهر ولا من حيث الشكل، لاحظوا الوضع التالي: إسرائيل ترتبط بعلاقات فوق الجيدة مع أطراف الخلاف الخليجي الخليجي، وباتت لها علاقات عربية "من المحيط إلى الخليج" بعبارتنا العربية المفضلة. وحتى لو تم تسوية الخلافات العربية العربية، فإن إسرائيل ستظل تتمتع بتلك العلاقات الجيدة مع الجميع. تبقى ملاحظتان تتعلقان بنا كفلسطينيين.

الأولى أن "صفقة القرن" لم ولن تمر من بواباتنا، وأننا على ما نحن عليه كبلاد مسروقة وشعب تحت الاحتلال ومشتت أفشلنا الشق المتعلق بنا في "صفقة القرن"، وأن كل هذا الترف التطبيعي كان المقصود به في صفقة ترامب ترويض الحصان الفلسطيني، أو أنه كان بوابة من أجل جعل تسليم الفلسطينيين بحقوقهم للاحتلال أمراً طبيعياً، وهذا لم يحدث. هذه واحدة من الحقائق التي لا بد أن غلاة محبي إسرائيل وأنصارها يدركونها. فهم لا يريدون لعلم إسرائيل أن يرفرف في عواصم العرب لأن هذا لا يعني شيئاً من جهة الحقيقة، بل يريدون لطفلتي الصغيرة أن تقول: إن مدينة أجدادها اسمها "يافو" وليست يافا. هذا ما يرغبون به.

وعليه، وهذه الملاحظة الثانية، ربما لن يكون مهماً ماذا يفعل العالم، وماذا يريد، وكيف يبيعنا القريب والبعيد أو من يتخلى عنا في صحراء الآخرين، المهم ماذا نريد نحن. ويمكن لكل العالم أن يقبل بما يقوله اللص حول ممتلكاتنا، لكن هذا لن يغير قناعة طفل صغير عن ملكيته. مرة أخرى، إن جوهر "صفقة القرن" كمن في التنازل الفلسطيني وهو ما لم يتم، وربما الضغط الكبير الذي تعرضت له القيادة الفلسطينية من أجل أن تقبل بالصفقة يكشف حقيقة الصفقة. فالفلسطيني هو المستهدف الأول وإن كان مطلوباً ضعضعة الحالة العربية من أجل جعل القبول الفلسطيني سهلاً. هذا لم يحدث ولن يحدث مهما حدث في المحيط العربي.