عبير بشير - النجاح - منذ بطريرك الموارنة إلياس الحويك لم يعرف لبنان بطريركاً مؤثراً كما كان نصر الله صفير، الذي قاد البطريركية المارونية بين عامي 1986 و2011. الأول نال لقب بطريرك "لبنان الكبير"، بما أنه كان عراب إنشائه العام 1920، والثاني نال لقب بطريرك "الاستقلال الثاني"، في إشارة إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان في العام 2005. 
منذ اليوم الأول الذي أصبح فيه صفير بطريركاً، كان يعلم أن اسمه أصبح مدرجا على قوائم الاغتيال. في تلك الفترة قُصف محيطا بكركي ودار الفتوى في بيروت بالتزامن. كان صفير ومفتي الجمهورية آنذاك، حسن خالد، يتموضعان في مكان واحد، وهو رفض الوصاية السورية على لبنان.
بعد أيام من اغتيال المفتي خالد، وصلت الرسالة إلى بكركي أيضاً، فقرر صفير فتح الصرح أمام المعزين، معتبراً أن اغتيال خالد هو اغتيال للوطن. رد صفير على اغتيال المفتي، ومضى في مشروع إنهاء الحرب الأهلية بأي ثمن. في تلك المرحلة بدأت علاقة صفير برفيق الحريري تترسخ. كان الحريري عراباً لاتفاق الطائف، وكان صفير أباً روحياً للاتفاق، فعمل على تسويقه مسيحيا. وقاد المسيحيين في لبنان، في مرحلة كانت فيها قياداتهم كلها إما في السجن - رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع - وإما في المنفى - رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل، والرئيس الحالي ميشال عون.
كان الشعور المسيحي بالخسارة فادحاً، في أعقاب خسارة موارنة لبنان الحرب على أعتاب اتفاق الطائف، وكان ثمة غضب مسيحي على رفيق الحريري نفسه، فهو المسلم وريث المسيحية السياسية الجديد، وهو ليس فقط أحد أعمدة النظام الجديد الذي نفى عون وسجن جعجع. بل إنه وريث المسيحيين على محورين: العلاقات بالخارج الأوروبي والأميركي، وتمثيل ما هو حداثي وتقدمي في لبنان. وهما الصفتان اللتان كانتا في ذلك الوقت حكرا على المسيحيين. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد ترأس الحريري حكومته الأولى بعد الانتخابات البرلمانية العام 1992 التي قاطعها غالبية المسيحيين بسبب قانون الانتخابات. الصدمة التي أصابتهم بعد الانتخابات التي قاطعوها، نجمت عن اكتشافهم أن لبنان يستطيع البقاء من دون مشاركتهم السياسية. رفيق الحريري، ومرة أخرى، مثل تحديا للتصور المسيحي عن الذات والوطن وعن الآخر المسلم.
بين عامي 1992 و2000 خضع لبنان لمعادلة مفادها أنه من الصعب فتح معركة ضد الوصاية السورية، في ظل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، والاعتداءات المتكررة ضده، وأبرزها عدوان عناقيد الغضب في العام 1996. خلال هذا العدوان فتح صفير الأديرة والكنائس أمام النازحين من الجنوب. 
كان العام 2000، مفصليا، انسحب الإسرائيليون من طرف واحد عن لبنان، ومات حافظ الأسد. أيقظ الانسحاب الإسرائيلي، معارضة مسيحية وجدت أن الوجود العسكري السوري فقد آخر ذرائعه، وأن اللحظة السورية بفقدان الأسد في ذروة ضعفها. انطلق صفير من حيثيته المسيحية لتأسيس لقاء "قرنة شهوان" في 2001، الذي ضم شخصيات مسيحية محازبة ومستقلة، جمعتها معارضة النفوذ السوري في لبنان. قدّم صفير يومها غطاء بكركي الديني والطائفي والسياسي للقاء، أضيف إلى ما وفره بيان مجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2000 والداعي إلى الانسحاب السوري ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، من غطاء مسيحي قوي.
مع بداية العام 2004 كانت الصورة قد اكتملت عند صفير. معارضة ثلاثية في الداخل اللبناني للوجود السوري ومكوناتها وطنية، تضم أغلبية مسيحية وعلى رأسها صفير، وأغلبية درزية على رأسها جنبلاط، وأغلبية سنية على رأسها رفيق الحريري. كانت المعارضة أو ما كان يعرف بلقاء "البريستول" قد بدأت معركتها على أكثر من صعيد، داخلي عبر توحيد الصفوف والتوسع، وخارجياً عبر علاقات رجالات هذا الفريق ومنهم صفير الذي كان يُستقبل في تلك المرحلة في البيت الأبيض والإليزيه استقبال الرؤساء. 
عند اغتيال الحريري، أرسل صفير مطران بيروت بولس مطر لحضور اجتماع المعارضة في قصر قريطم الذي أعلن المواجهة مع النظام اللبناني – السوري. بعد العام 2005 ارتاح صفير، ابتعد الرجل عن صدارة المشهد، هو الذي كانت عظاته الأسبوعية استحقاقات سياسية مُنتظرة. باتت اللعبة لبنانية – لبنانية، خصوصاً بعد الانقسام العمودي في البلاد بين قوى "8 آذار" و"14 آذار"، والاتهامات التي وُجّهت مراراً لبكركي بأنها منحازة لفريق ضد آخر. لم يكن صفير يريد صراعاً مسيحياً – مسيحياً، ولهذا ربما ابتعد. كانت العلاقة بين صفير وميشال عون بعد عودته من منفاه الباريسي العام 2005، هي الأصعب، وهو الذي قال يوما بعد هزيمة عون في 1990: "خلص انتهى الكابوس"، وكان يقصد به "انتهاء الحرب". وأبتعد أكثر بعد استدارة عون وتحالفه مع "حزب الله" والنظام السوري، بعدما شارك عون في انتخابات العام 2005، وحصل على نحو 70 في المائة من أصوات المسيحيين. يومها قال صفير: "أصبح لكل طائفة زعيمها".
غادر صفير سلطته البطريركية مع انتقال العلاقات اللبنانية السورية بفعل – الشتاء العربي - من أزمة الوصاية السورية إلى أزمة شعب سوري نازح إلى لبنان، بأكثر من مليون ونصف المليون شخص بفعل الحرب الأهلية في سورية. تحديات ديموغرافية سورية غير مسبوقة جعلت اللبنانيين وخصوصا المسيحيين "يترحمون" على ما صار يعرف بوداعة الرقم الديموغرافي الفلسطيني الذي أدى إلى الانفجار العنيف. ومع هذا التحول الكبير سيكون الرأي العام الماروني المعبأ تاريخيا ضد السلطة في دمشق أيضا على مشارف صدمة خطر التيارات الأصولية التكفيرية، وانتقال أزمة المسيحيين، من أزمة مسيحيي لبنان إلى أزمة مسيحيي الشرق بسبب المد الأصولي الذي وسم الثورة الثورية، وبسببه صار مسيحيو لبنان، في قيادة مواجهة مخاطر شبه انقراض مسيحيي المنطقة ككل. وهذا نقل تركيزهم ومعهم الفاتيكان إلى أولويات جديدة، انعكست على من سيكون البطريرك في بكركي. 
ترافق ذلك مع إعادة تظهير مشروع "حلف الأقليات"، الذي لم توافق بكركي أيام صفير عليه، لا بل عارضته، في مقابل وجود مناخ كنسي ومسيحي في منطقة الشرق الأوسط ككل، وحتى فاتيكاني، يميل باتجاه تحالف كهذا "يحمي المسيحيين"، على قاعدة التحالف مع إيران مثلاً، بينما صفير كان على الطرف النقيض من هذه الصيغ كلها. وله مواقف عديدة رافضة وموجهة ضد "حزب الله" وإيران والنظام السوري. لقد كان صفير مؤمناً أن الدولة العادلة والديمقراطية هي التي "تحمي جميع مواطنيها".
رفض صفير باستمرار زيارة سورية حيث توجد أبرشية مارونية، قائلاً، إنه سيزورها عندما تقام علاقات ندية مبنية على الاحترام المتبادل وسيادة البلدين، حتى أنه لم يرافق البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته لها العام 2001. ولكن بعد عامين من استقالة صفير، زار خلفه الكاردينال الحالي بشارة بطرس الراعي دمشق العام 2013، ليكون أول بطريرك يذهب إلى سورية بعد استقلال لبنان العام 1943. وهذا ما يدل على تغيير دراماتيكي في التفكير السياسي الماروني، والميل إلى حلف الأقليات.