جهاد قاسم - النجاح - لا احب الرد كثيرا على جهاز الهاتف الموجود داخل مكتبي ، لكنني مجبر على الرد على هذا الجهاز الارضي ففيه ام القضايا، فهو مشبوك بين الفضائية واذاعة النجاح ضمن خط اتصالي واحد.

فمن يريد الاتصال على الاذاعة يدق اجراسه هنا، وفي هذه الحالة فالتوقع كبير رنينه كل بضعة دقائق وقضية المتصلين واحدة تقريبًا وهي  ايصال رسالة الى اسير.

فمنذ اكثر من عقد واذاعة النجاح تشمل برنامج يبث عدة مرات عن الاسرى وايصال الرسائل من ذويهم تحت اسم "شؤون الاسرى"، تتنوع الرسائل بين سلام وحب واشتياق  لرؤية غائب منذ سنوات خلف قضبان السجن.

كانت الساعة العاشرة والنصف من صبيحة هذا اليوم ..رن جرس الهاتف..متصلة من عزون قضاء محافظة قلقيلية، تقول لي انا ام الاسير فلان، منذ سنة لم اتمكن من رؤية ابني والوسيلة التي امامي للوصول اليه فقط عبر هذا الهاتف.

لا اعرف حينها كيف يمكنني الرد، امام هذا الشعور الكبير الذي لا يشعر به الا قلب ام فقط فقدت اعز ما تملك ، ولا ادرك ما هي الوسيلة المناسبة للرد اصلا ، هل علي فقط اعلامها بوقت بث البرنامج وان عليها الاتصال في يومه المخصص ام انه يجب ان ادخل فيما يسمى بالواسطة وان آخذ رقم هاتفها واتصل بها انا في وقت البرنامج كي تجد مجالا بين الاتصالات الكثيرة وقت البرنامج ، لكن شتان بين هذه الواسطة وغيرها.

ربما من الصعب ان تكشف ملامح حزن شخص دون رؤيته ، لكن نبرة الصوت تحمل ترجمتها فترصد كل المشاهد المحزنة في صوت والدة لم ترَ ابنها الاسير منذ سنة ولم تجد حيلة لتبثه مشاعرهاالا عبر   الاتصال على برنامج  شؤون الاسرى  وتبدأ بسرد سلامها هي وعائلتها له وحضنها البارد الذي يدفئ فقط بضمه، وتعلمه انها ارسلت له 100 دولار او 200 او اقل او اكثر من ذلك كي يشتري ما طابت له نفسه في سجنه الضيق المحكوم من جلادين بلا ضمير، او اخباره بموعد جلسات المحاكمة والزيارات او حتى بالامور الشخصية العائلية التي تصبح علنا عبر الهاتف فالظروف تفرض كل شيء.

سألت مقدمة البرنامج الزميلة امل القاسم والتي تقدمه منذ 7 سنوات عن شعورها خلال تقديمها له ، وكانت اجابتها شافية   حين قالت:"إنني اعتبره عملا خيريا".

وتسرد الزميلة القاسم بان البرنامج اصبح جزءًا من حياتها فهي تتلقى اكثر من ثلاثين اتصالا في الحلقة ولا تستطيع اخذ الباقي اضافة الى قرائتها اكثر من 150 رسالة في حلقتين مخصصتين للقراءة فقط .

ربما الهاتف اصبح الحسنة الجارية عن روح غراهام بل فهو من اخترع هذا الجهاز وجعله في هذا الزمان وسيلة اتصال بين عائلة تعيش في سجن كبير وبين ابنها الذي يعيش في سجن صغير ينخره الظلم والاستبداد من محتل غاشم ، فكيف ان لم يكن هذا الاختراع موجودا فماذا ستعمل عائلات اكثر من 6 الاف اسير عندما يريدون ايصال رسالة الى ابنائهم حتى لو كانت كلمة "اشتقنالك".