دلال عريقات - النجاح - مشروع القرار المُقدم في مجلس الأمن التابع للأمم المُتحدة الخاص بالقدس لم يُخاطب الولايات المتحدة بل اكتفى بمخاطبة كل الدول بالتراجع عن إنشاء ممثليات لها في المدينة المُقدّسة 'القدس'، لم يمر مشروع القرار بعد أن حصل على ١٤ صوت وعارضته الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام حق النقض (الڤيتو).

قد يستاء أي متابع للموضوع، فَلَو تم ذكر الولايات المتحدة أي تم توجيه اتهام مباشر لها لما كان لها الحق في التصويت في مجلس الأمن، إذاً لماذا هذه الصياغة؟ لماذا لم يخاطب مشروع القرار الولايات المتحدة الأمريكية صراحةً؟ لماذا رضي الطرف الفلسطيني/العربي مع سبق الإصرار بأن لا يمر القرار؟ لماذا سمحنا للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام حق النقض؟ لماذا رضينا بألا يمر القرار؟

كل هذه أسئلة مشروعة وواقعية وعقلانية، الجواب أعزائي يتطلب معرفة بمجريات الدبلوماسية الدولية المتعددة الأطراف، وقواعد عمل الدول الأعضاء، لم يقصد المصريون إيذاءنا كما يحلل البعض ولم يحصل ذلك لجهل الفلسطينيين بآليات عمل مجلس الأمن كما يدعي البعض وقد عزم آخرون أن هذه كبوة غفلنا عنها أو ثغرة لم نحسن التعامل معها دبلوماسياً وقانونياً. حقيقة الأمر أن الدول الأعضاء تتشاور فيما بينها قبل التصويت وكانت المملكة المُتحدة قد أوعزت للأطراف أنها ستمتنع عن التصويت في حال خاطب المشروع الولايات الأمريكية مُباشرة. إن امتنعت المملكة المتحدة عن التصويت لن تضطر أمريكا لاستعمال حق النقض (الڤيتو)! لذلك وبعد المشاورات ارتأت الجهات المعنية أن المصلحة الفلسطينية تتمثل بالسيناريو الذي نحصل فيه على اكبر عدد من الأصوات وتستعمل فيه أمريكا حق النقض بدلاً من سيناريو مخاطبة أمريكا ومنعها من التصويت فتمتنع بريطانيا ونحصل على ١٣ صوت بدلاً من ١٤ من أصل ١٥ عضواً في مجلس الأمن.

هذه هي السياسة أعزائي، من حقنا جميعاً التساؤل وتوجيه الاستفسارات ولكن من الجهل توجيه الإتهامات والتخوين دون دراية وبحث بتفاصيل الأحداث ومصالح الدول التي تحدد مواقفها. في الدبلوماسية المتعددة الأطراف ومشاريع القرارات في الأمم المتحدة يتأثر التصويت بالدولة التي تقدم المشروع وصياغة القرار وعدد الدول المصوتة. عادة بعد اللجوء لمجلس الأمن وعدم تمرير القرار، تلجأ الدول لطلب جلسة طارئة من الجمعية العامة تحت مبدأ "الاتحاد من أجل السلام" التي يصبح فيها القرار مُلزم بتصويت الغالبية العُظمى، وهذا ما حصل في موضوع نقل الممثليات للقدس أو الاعتراف بها حيث تم تمرير قرار لصالح الشعب الفلسطيني بعد أن صوت ١٢٨ عضو مع في حين امتنع ٣٥ تحت التهديد والوعيد الأمريكي الصريح بقطع المساعدات المادية عنها، ورفضت كل من الولايات المتحدة، اسرائيل، ميكرونيزيا، غواتيمالا، هندوراس، جزر مارشال، ناورو، بالاو، توغو القرار لأسباب ومصالح عنصرية ومادية. من أصل ١٧٢ دولة حضرت التصويت وبعد التهديد المُباشر والدبلوماسية القسرية التي مارستها الولايات المُتحدة شهدنا غالبية عُظْمَى تضاهي ٣/٢ الأعضاء مُلتزمة بالمبادىء والقانون والأخلاق والإنسانيّة. هناك ٢١ دولة تغيبت عن التصويت بسبب عدم دفعها لاشتراكاتها والتزاماتها المادية وغيره. القرار ليس مُلزماً بالقوة ولكنه قرار بالأغلبية ويُلزم الدول الموقعة على الميثاق بالالتزام بنتيجة التصويت التي تحتم على ترامب ونتنياهو إدراك بعض الحقائق:

- الأموال ممكن أن تتكلم كما يظن ولكن الحق لا يُباع ولا يُشترى وأن الشعب الفلسطيني صاحب حق محفوظ في ضمائر العالم.

-وقوف دول العالم العُظمى من الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين واليابان بوجه ترامب وتهديداته هو بمثابة استفتاء دولي ضده وعليه أن يُعيد النظر بسياساته الخارجيّة.

-على نتنياهو أن يعترف لنفسه وللشعب الإسرائيلي أن العالم ليس غافلاً عن السياسات العنصرية التي تمارسها بحق الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.

لقد تساءلت مندوبة أمريكا عن سر بقاء إسرائيل في هذه المنظمة لسنوات طويلة برغم انحياز المنظمة الدولية للجانب الفلسطيني ومعاداة إسرائيل وجاوبت بالقول أن على الدول الوقوف والدفاع عن نفسها ولهذا السبب اسرائيل لم تسحب عضويتها! لا بد من تذكير أمريكا واسرائيل بألا ينسوا أن الأمم المتحدة التي يستهزئون بها الْيَوْمَ هي الشرعية التي يستند إليها قيام دولة اسرائيل.

هنيئاً للدبلوماسية الفلسطينية والنجاحات التي حققتها إلا أننا يجب أن نكون واقعيين بأن هذه الإنجازات لن تغير شيء من الواقع إلا إذا تُرجمت على الأرض من خلال الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وانهاء الإحتلال، أما داخلياً، فتبقى الوحدة والمصالحة هَمٌ يؤرق الشعب.