ياسمين شملاوي - النجاح - نافذة وصوت مرعب لصرير الأجراس الحديدية تنذرك بأنك التالي، بعد أن سكت ولأيام طوال عن وجعك، وأنت لا تريد أن تتذكر كيف كان يباغتك ليلا، منقضا على أحلامك، وعن كم المسكنات الكبير الذي تناولته خوفا من هذه اللحظة، لكن لا مفر سوى المواجهة !.

 وهنا يوخزك سؤال سريع، من الأكثر ألما يا ترى؟!

ألقيت التحية وجلست أترقب الوجوه المحملقة بأنفسها، ضحكت بداخلي وأنا أتخيلهم  يتسابقون ليخرجوا من الباب هرعين، في تلك اللحظة حاولت تماسك أعصابي وإقناع نفسي بأني أقوى مما أتخيل، وأنه لابد من تحمل الآتي، وأن الإنسان عندما يخاف شيئا يأسره، فالعقل يعاني من الأوهام عندما يستسلم إلى الكوابيس التي يخلقها لنفسه.

نظرت خارج النافذة، أتعقب المارة في محاولة لإلهاء نفسي، عن صوت قدح الآلة للطواحين، ورائحة البنج، وأنين المريضة، وعبارة طبيب الأسنان  "ابقِ فمك مفتوحا؟، رجاءً".

نظرت لأعلى وأخذت أشكل بالغيوم دبًا قطبيًا جميلاً بفروة بيضاء لطيفة يأكل سمكة... وحسدته فهو الذي لم يستخدم يوما فرشاة الأسنان، رغم ذلك لم يتوقف عن الأكل والنوم.

هل خطر ببالنا يوما لم لا تحتاج الحيوانات إلى علاج أسنانها؟ وكيف كان الناس القدماء يعالجون آلام الأسنان؟ وهل يتألم الملوك والحكام من أسنانهم؟ وهل فكرنا يوما أن ألم الأسنان كالصوم تماما يجعلنا نشعر بالأناس البعيدين بالبؤساء والمساكين من حول العالم الذين يتوجعون دون أن يشعر بهم أحد؟

وهنا كان يجب أن  أوقف نفسي، لإحساسي بأني بدأت أهلوس لفرط خوفي،    ومباشرة استسلمت لنداء الطبيب، وكنت أجر أقدامي لأجلس على الكرسي، ويختطف نظري ضوء سلط مباشرة على وجهي، وأنفاسي تتعالي، أفتح فمي على مصراعيه، وأسمع صدى صوت الطبيب ومساعدته، وأستشعر ببرودة الوخز يدخل بين عصب الطواحين، والعالم من الخلف يقفز إلى ذهني بتتابع صوري.

لكرسي الإعدام الكهربائي الذي اخترعه طبيب أسنان.

وأخرى، لطقم أسنان جدي الذي كان يضعه في كأس شفاف قرب سرير النوم.

وأوقف ذلك صورة ابتسامة لطيفة من الطبيب، وهو يقول: "بسيطة إزالة عصب".

أراقبه وأفكر كيف يؤثر الإرث الرجعي الذي نتغذى منه على أفكارنا، وكيف كان يتم ترهيبنا بلا أي سبب؟ فأطباء الأسنان أناس مثلنا تمامًا !

وكيف وصلت إلى هذه المرحلة؟ فتذكرت أني أخاف الإبر.

 لكني وعدت نفسي بأن لا أؤجل وجع اليوم إلى الغد.