لارا زايد - النجاح الإخباري - يشهد قطاع غزة واحدة من أكثر الأزمات البيئية تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث لم يعد التدهور مقتصراً على البنية التحتية أو الخدمات الأساسية، بل امتد ليطال منظومة الحياة البيئية والصحية بشكل شبه كامل، في ظل حرب طويلة الأمد خلّفت دماراً واسعاً في شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات، ودفعت أكثر من مليوني إنسان إلى العيش في بيئة توصف بأنها “غير صالحة للحياة”.
وفي هذا السياق، يصف رئيس المعهد الوطني للتنمية والبيئة، الدكتور أحمد حلس خلال حديثه للنجاح، الواقع في غزة بأنه “إبادة بيئية ممنهجة”، مؤكداً أن ما جرى خلال الحرب لم يكن مجرد استهداف للبشر والحجر، بل أيضاً تفكيكاً متعمداً للبنية البيئية التي تشكل أساس استمرارية الحياة في القطاع.
ويشير حلس إلى أن مدناً بأكملها في شمال وشرق القطاع تعرضت للتدمير، بما في ذلك بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا والشجاعية وأجزاء واسعة من مدينة غزة وخان يونس ورفح، وهو ما أدى إلى إزالة مساحات عمرانية كاملة وما تحتويه من خدمات ومرافق بيئية كانت تعمل لعقود.
تدمير البنية البيئية: المياه والصرف الصحي خارج الخدمة
ومع اتساع نطاق الدمار، يبرز قطاع المياه والصرف الصحي كأحد أكثر القطاعات تضرراً، إذ تم تدمير أو تعطيل معظم المحطات المركزية وشبكات الضخ والمعالجة.
وبحسب تقديرات دولية وتقارير ميدانية، فإن ما يصل إلى 80–90% من منظومة المياه والصرف الصحي في غزة تعرضت لأضرار مباشرة، بما في ذلك محطات التحلية والآبار وشبكات النقل ومحطات المعالجة، وهو ما أكده تقرير نشرته مصادر أممية وإعلامية متخصصة في البيئة والمياه.
ويؤكد حلس للنجاح، أن هذا الانهيار أدى إلى تدفق المياه العادمة بشكل مباشر إلى البيئة والمياه الجوفية وبين مناطق النزوح، في ظل غياب أي قدرة على المعالجة أو الضخ أو السيطرة على التلوث، وهو ما يفاقم المخاطر الصحية بشكل يومي.
وفي موازاة ذلك، تشير تقارير دولية إلى أن نسبة كبيرة من سكان القطاع باتوا يحصلون على كميات مياه متدنية جداً لا تكفي للاحتياجات الأساسية، حيث تراجعت حصة الفرد من عشرات اللترات يومياً قبل الحرب إلى بضعة لترات فقط في بعض المناطق، ما يعكس حجم الأزمة المائية غير المسبوقة.
النفايات الصلبة… بيئة خصبة للأمراض والانفجار الصحي
إلى جانب أزمة المياه، تتفاقم مشكلة النفايات الصلبة بشكل خطير، إذ تتراكم مئات آلاف الأطنان من المخلفات داخل الأحياء السكنية ومناطق النزوح، في ظل غياب كامل لعمليات الجمع أو الطمر الصحي.
وتتحلل هذه النفايات تحت درجات حرارة مرتفعة، منتجة عصارات سامة وغازات خطرة، ما يجعلها بيئة مثالية لانتشار القوارض والحشرات ونواقل الأمراض.
ويحذر حلس من أن هذه التراكمات لم تعد مجرد مشكلة نظافة عامة، بل تحولت إلى مصدر مباشر للأمراض والتلوث، خاصة مع غياب الوقود وتعطل البلديات، ما أجبر السكان على التعامل مع هذه المخلفات بوسائل بدائية.
حرق المواد داخل الخيام وتفاقم التلوث الهوائي
ويمضي حلس في حديثه قائلاً "مع استمرار أزمة الوقود، اضطر العديد من السكان إلى حرق مواد مختلفة داخل الخيام لتأمين التدفئة أو الطهي، وهو ما أدى إلى انبعاث غازات سامة داخل بيئات مغلقة ومكتظة بالسكان، ويؤدي هذا الواقع إلى تدهور إضافي في جودة الهواء، ما ينعكس مباشرة على صحة الأطفال والنساء وكبار السن، خصوصاً أولئك الذين يعانون من ضعف في المناعة نتيجة سوء التغذية."
أزمة مياه حادة وانهيار مصادر الشرب
وفيما يتعلق بالمياه، يشير حلس إلى أن محطات التحلية المركزية وعدداً كبيراً من المحطات الخاصة التي كانت تغطي احتياجات السكان قد دُمرت بالكامل، إلى جانب تضرر شبكات الكهرباء والطاقة التي كانت تشغل هذه المنشآت.
هذا التدمير جعل الحصول على مياه آمنة أمراً بالغ الصعوبة، حيث يعتمد السكان على شاحنات توزيع محدودة، غالباً ما تكون غير كافية أو غير مضمونة الجودة، وسط طوابير طويلة للحصول على الحد الأدنى من المياه.
وتؤكد تقارير دولية أن تلوث المياه في غزة بلغ مستويات خطيرة، مع تدهور كبير في جودة المياه الصالحة للشرب وارتفاع نسب عدم صلاحيتها للاستخدام الآدمي.
الأمراض وسوء التغذية… الوجه الصحي للأزمة البيئية
ومع تفاقم التلوث البيئي، بدأت تداعياته الصحية تظهر بشكل واسع، إذ تشير البيانات الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في الأمراض الجلدية والمعوية والتنفسية، إلى جانب حالات مرتبطة بتلوث المياه والغذاء.
كما يلفت حلس إلى أن سوء التغذية بات أحد أخطر العوامل المفاقمة للوضع الصحي، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، حيث تؤدي المناعة الضعيفة إلى زيادة قابلية الإصابة بالأمراض وانتشار العدوى.
وفي ظل الضغط الكبير على المرافق الصحية، تواجه الطواقم الطبية صعوبات في تشخيص بعض الحالات الجديدة أو غير المألوفة، نتيجة تداخل عوامل التلوث الغذائي والبيئي.
اكتظاظ سكاني غير مسبوق وانهيار شروط الحياة
إلى جانب كل ما سبق، يفاقم الاكتظاظ السكاني الأزمة بشكل كبير، إذ يعيش أكثر من مليوني شخص في مساحات محدودة داخل مخيمات وخيام متلاصقة، ما أدى إلى ارتفاع الكثافة السكانية إلى مستويات غير مسبوقة عالمياً.
ويؤدي هذا الاكتظاظ إلى زيادة الحوادث اليومية والحرائق وانتشار الأمراض، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة والصحة العامة.
تدمير البيئة الطبيعية والقطاع الزراعي
كما طال الدمار القطاع الزراعي والمساحات الخضراء، حيث تم تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والأشجار والتربة الخصبة، خصوصاً في المناطق الشرقية، ما أدى إلى انهيار جزء كبير من منظومة الأمن الغذائي المحلي.
وبحسب حلس، فإن هذا التدمير لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى التأثير على جودة الهواء والتوازن البيئي داخل القطاع.
وفي ختام المشهد، يحذر خبراء البيئة من أن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من التدهور البيئي والصحي، مع احتمالات متزايدة لانهيار شامل في منظومة الحياة داخل القطاع، في ظل غياب حلول سياسية أو إنسانية عاجلة.
ويؤكد حلس أن استمرار الحصار وتدمير البنية التحتية يحول غزة تدريجياً إلى بيئة غير قابلة للحياة، حيث تتداخل الكارثة البيئية مع الإنسانية في صورة واحدة معقدة ومفتوحة على مزيد من التفاقم.