عبد الغني سلامة - النجاح - عند رصد أسباب وحيثيات أفول اليسار الإسرائيلي، سنجد أمرين، الأول: عوامل وظروف موضوعية كانت تفعل فعلها بقوة داخل وخارج اليسار، والثاني: سلسلة الإجراءات والخطط التي تبنتها المؤسسة الرسمية لمحاصرة قوى اليسار وتفكيكها كليا.
بالنسبة للعوامل الموضوعية، اعتبر الباحث "صالح النعامي" أن التغيرات الديموغرافية والإثنية تأتي في المقام الأول؛ فمنذ تسعينيات القرن الماضي أسفرت التغيرات الديموغرافية التي طرأت داخل إسرائيل عن تبلور ثلاثة قطاعات سكانية، وهي: المهاجرون الروس، واليهود الشرقيون، والمتدينون، وهذه التجمعات تضم حوالى 80% من المستوطنين اليهود في إسرائيل. ولم تنجح قوى اليسار في اختراق هذه التجمعات، التي خضعت منذ البداية إلى تأثير النخب ذات التوجهات اليمينية.
وقد تبنى المهاجرون الجدد التوجهات اليمينية المتطرفة، رغبة منهم في التميز عن السكان القدامى، واتخاذ مواقف أكثر عنصرية تجاه العرب للتدليل على إخلاصهم للدولة، أما اليهود الشرقيون فيعتقدون أن الأحزاب اليمينية (الليكود، شاس) هي الأقدر على الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم خاصة ضد التمييز الطائفي. أما القوى الدينية فمن الطبيعي أن تنحاز ضد اليسار.
ورأى النعامي أن أهم عامل في تحويل الرأي العام الإسرائيلي للانجراف نحو اليمين، وإلى مزيد من التطرف هو اعتقاده أنه لم يعد هناك شريك فلسطيني في أية تسوية مستقبلية للصراع، متأثرا بذلك بالخطاب الإعلامي الرسمي، الذي تبناه "باراك" بعد فشل كامب ديفيد (تموز 2000).
وقد واصلت الماكينة الإعلامية إقناع الجمهور الإسرائيلي بعدم وجود شريك للسلام، وبعدم جدوى العملية السياسية، وواصلت التحريض على الفلسطينيين، لدرجة صار مقبولا لدى الجمهور الإسرائيلي قمع الفلسطينيين بأية طريقة، ما عمّق الخطاب اليميني، وأدى إلى مزيد من الانزياح نحو اليمين.
وحسب النعامي، ساهم الخطاب الإعلامي الرسمي والحزبي اليميني في ترسيخ مشاعر العنصرية تجاه العرب، وكانت النتيجة أن أحزاب اليمين نالت أغلبية الأصوات في جميع المدن المختلطة التي يقطن فيها عرب ويهود.
فمثلا صوت اليهود في هذه المدن لصالح ليبرمان، بعد أن وعدهم بتجريد العرب من حقوق المواطنة.
وأيضا، أدت سياسات الخصخصة وتقليص مخصصات الرفاه الاجتماعي للجماهير لزيادة شعورهم بعدم الأمان الاقتصادي والاجتماعي، الذي ازداد مع الأزمة الاقتصادية العالمية، ما دفعهم لليمين، حيث إن الجمع بين أزمة اقتصادية والشعور بعدم الأمن يولد شوقاً لوجود زعيم قوي يحل محل الديمقراطية.
وهذه أفضل وصفة لتنامي قوة اليمين، فبسبب القيادة الفاشلة لإيهود براك وتجاهله التركيز على القضايا الاقتصادية، والتركيز بدلاً منها على الأمن، ساهم ذلك بانهيار شعبية حزب العمل.
وأضاف النعامي أن الحروب العدوانية على غزة فتحت شهية المجتمع الإسرائيلي لخيار القوة، فبعد ضرب نرجسية الجيش وتهديد المدن المتاخمة لغزة بالصواريخ، تولد شعور لدى الإسرائيليين بأن قادة اليمين يمكنهم التصرف في الحرب القادمة بشكل أكثر قوة وحسماً من اليسار ويسار الوسط.
ومع انتهاء حروب غزة دون خسائر كبيرة في الجانب الإسرائيلي ترسخت قناعة الجمهور الإسرائيلي بأهمية عوائد الحرب، وهو ما فاقم التوجه نحو اليمين.
من ناحية ثانية أدى نفاق قادة اليسار وترددهم وازدواجية خطابهم إلى تهاوي ثقة الجمهور الإسرائيلي بهم؛ إذ لم يعد الجمهور يلمس أي فوارق أيديولوجية أو سياسية ذات مغزى بين أحزاب اليسار واليمين.
حتى الجمهور المنحاز تاريخيا لليسار بات مقتنعا أكثر بخواء شعارات اليسار، التي صارت تُستخدم لمنح الحصانة الأخلاقية لارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين، أو كمادة مسكنة لعذابات الضمير؛ فتحت شعار "تأييد السلام" صار أسهل عليهم التعايش مع الاحتلال، بكل ممارساته اللاإنسانية.
أما على صعيد الإجراءات والخطط التي تبنتها المؤسسة الرسمية؛ فقد جرت وفقا لمخطط مرسوم، وهو في الواقع، بدأ منذ وقتٍ مبكر، وتحديدا مع بداية تأسيس الدولة، فمثلا حورب أول رئيس للجامعة العبرية، يهودا ماغنس، لأنه قال: "انقذوا اليهود من أنفسهم، لأنهم سيشعلون المنطقة حروبا"، واتُهم بالعمالة للبريطانيين حين طالب الرئيس الأميركي "ترومان" بألا يوافق على إقامة دولة لليهود، وكذلك تمت محاصرة المؤرخ إسرائيل شاحاك وغيره ممن ناهضوا الصهيونية..
وفي دراسة للباحث توفيق أبو شومر (شؤون فلسطينية، العدد 256)، بعنوان خطط تفكيك اليسار الإسرائيلي، استعرض فيها أهم الخطوات المتبعة لمحاصرة وتفكيك اليسار، فكتب: "ظل زحفُ التيار الحريدي متواصلا في شتى المجالات، ومنذ عقود عدة، حتى غزتْ سرايا الحراديم معقل اليساريين الرئيس: الجيش، وتمكن الحريديون من تأسيس كتائب وألوية تمارس طقوسها الدينية، وتسعى لاستبدال الأوامر العسكرية بأوامر ونواهي الشريعة اليهودية. وقد بدأت عمليات حردنة الجيش وتحويله إلى جيش ديني، بوساطة الحاخامية العسكرية، وهي شعبة التوجيه الديني، التي تتولى تغذية الجنود بدروس دينية، بهدف السيطرة على الجيش، وجعل القيادة بيد الحاخامات".
وذكر "أبوشومر" إجراءات أخرى لإقصاء اليسار؛ منها تجفيف النظام (الكيبوتسي)، الذي لم يعد منه قائما اليوم سوى بعض الموشافات غير الملتزمة بمبادئ الكيبوتس التي كانت سائدة قديما.
وتحدث أيضا عن دور المؤسسة الأمنية، فكتب: "كما تمكن جهاز الشاباك من تفكيك حركة "ماتسبن" باعتقال قادتها (وهي حركة اشتراكية شيوعية مناهضة للصهيونية، أسستْ العام 1962)، استخدم نفس الأسلوب لتفكيك الحركات اليسارية في الأعوام المنصرمة، كما يجري مع "بيتسيلم" الآن".
وأضاف أبوشومر: من الإجراءات أيضا، استدعاء الأكاديميين اليمينيين القادرين على الرد على التيار اليساري، خاصة المؤرخين الجدد، وتيار ما بعد الصهيونية، وإقامة المؤتمرات العلمية في الجامعات، والتي انبثقت عنها مؤتمرات هرتسيليا وطبريا.
أما أخطر الأسلحة، فهو لوبي الكنيست اليميني المتطرف، (بزعامة حزب البيت اليهودي) المختص بصياغة القوانين لمطاردة اليساريين، حيث صاغت الكنيست الحالية أكثر القوانين العنصرية، قوانين هدفها محو اليسار، وتنظيف الساحة الإسرائيلية منه.
أما السلاح الآخر فيتمثل في تسليم أحزاب اليمين أهم الوزارات: وزارة التعليم، ووزارة الثقافة، حيث تولّت الوزارتان ملف تصفية جيوب اليساريين في القطاعات التربوية والثقافية، بإيقاف موازناتها، بالإضافة لوزارة الإعلام التي يتولاها "نتنياهو" مايسترو جوقة إقصاء اليساريين.
وأيضاً، تم إنشاء العديد من الجمعيات اليمينية بأنظمة ولوائح داخلية خادعة، وهي مخصصة للرد على اليساريين، وتحريض الإسرائيليين عليهم، منها مثلا جمعية "احتياط"، وهي حركة مخصصة لمكافحة الــ(BDS)، وجمعية "إم ترتسو"، المختصة بمحاربة كل ناقدي إسرائيل في الجامعات الإسرائيلية، وجمعية "إلعاد"، المختصة بتهويد القدس، وجمعية "لافي"، المختصة بمنع تثقيف الجيش على قيم اليساريين المعمول بها منذ تأسيسه.