أكرم عطا الله - النجاح - لم يسجل التاريخ محطة واحدة انتصر فيها السلاح  على الإرادة، فتجربة الشعوب الحرة بما تملك من فائض إصرار وعناد تمكنت من تمريغ أنف الاستعمار المدجج بأكثر وأحدث الأسلحة، والآن تتجسد الإرادة وجهاً لوجه بين أربعة جدران وأربعين سجناً حفرها المحتل لعزل الأبطال عن شعبهم ونفيهم داخل تلك الأقبية الحجرية، فاذا بهم يقودون شعبهم نحو نصر جديد، يقيمون الدنيا ولا يقعدوها في الساحات العامة ووسائل الإعلام وتظاهرات في شتى مدن العالم التي يتداعى فيها الفلسطينيون وأصدقاؤهم من مناصري الحرية لمحاكمة الاحتلال.
إنه أكبر من إضراب هذا الكفاح الشعبي الذي يحرك العواصم المشغولة بكل القضايا الكونية والذي بدأ يتصاعد منذ اليوم الثاني تحديداً، وحظي بهذا الالتفاف في بداياته وفي ظروف بالغة التعقيد من الأزمة الطارئة مع غزة والحديث عن حلول وصفقات، غامر قادة السجون وعلى رأسهم القائد مروان البرغوثي ليصبحوا الحدث الأهم في الساحة الفلسطينية، وليعيدوا للكفاح الفلسطيني صورته الحقيقية ما بين احتلال يقاتل بكل ما أوتي من قوة لسرقة الأرض وسجن أهلها وما بين شعب أراد الحياة واثقاً من استجابة القدر.
هذه المرة الإضراب ضد أكثر حكومات إسرائيل تطرفاً ترى الفلسطيني بأنه عبء ثقيل على هذه الأرض، وتتمنى أن تصحو صباحاً ولا تجد فيها سوى اليهود، تحقيقاً لخيال غولدا مائير التي كانت وزيرة خارجية الحركة الصهيونية كانت تتحدث في مؤتمر عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، فسألها مندوب الهند وأهل فلسطين، هل ماتوا جميعاً؟ ردت عليه متلعثمة: نعم لقد ماتوا جميعاً. هكذا يتمنون، ولكن هذا الشعب الذي يولد من جديد ما زال منتصب القامة يقود صراعه التاريخي حتى من داخل الزنازين.
ليس غريباً أن يفاجئنا الأسرى بهذه المعركة غير المتوقعة، فهؤلاء أكثرنا شجاعةً وتضحيةً وأكثرنا استعداداً للصمود، فقد تقدموا الصفوف مبكراً وحملوا سنوات عمرهم على راحتهم، وألقوا بها في مهاوي الردى بحثاً عن حياة تسر الصديق لهم ولشعبهم المعذب في هذه الأرض منذ عقود، وسط مؤامرة الصمت التي يشارك فيها عالم بلا أخلاق ولا ضمير، يبتلع لسانه حين يتعلق الأمر بإسرائيل التي لا تتوقف عن ارتكاب ما يعتبره هذا العالم جرائم شديدة الوضوح ولا تحتاج الى شهود عيان.
فعلها الأبطال مخترقين حاجز الصمت الكوني ليضعونا جميعاً في واجهة الحدث، وليفسدوا فرحة حكومة تعيش احتفالات توأمتها مع وصول إدارة أميركية تتماثل معها في كل شيء، بل وتسكن هذه الحكومة داخل منزل الرئيس، معتقدة أنه توفرت لها فرصة نادرة لتصفيتنا جميعاً، لذا كانت ترد بشكل هستيري على الإضراب لتصفهم بالقتلة الذين يستحقون الإعدام، هكذا قالت وزارة الخارجية التي يديرها بنيامين نتنياهو وكذلك وزيره المتطرف جلعاد اردان.
ولكن السلاح لا ينتصر على الإرادة، وإلا لكان هناك خلل في كتابة التاريخ وأحداثه العظيمة. تتوارد الأخبار التي تعبر عن جنون إسرائيل في التعامل مع انتفاضة الأسرى من تفتيشات وقمع وترحيل وعزل بالجملة في محاولة منها لكسر الإضراب، لكن إسرائيل مرة أُخرى تخطئ في معرفة خصمها، فهؤلاء الأكثر قدرةً على الصمود، لذا قرروا الذهاب بعيداً في أكثر القرارات تحدياً بوقف تناول الماء والملح والذهاب نحو معركة الشهادة على ألا ينكسروا، هؤلاء هم النخبة الأكثر صلابة والتي لا تنكسر.
قد لا يعرف الكثيرون حجم الألم للمضرب عن الطعام، انه الإجراء الأكثر قسوة للإنسان، وقُدر لي أن أعيش إضراب مطلع تسعينيات القرن الماضي، إضراب الأيام الستة، لأقول الآن إنها كانت التجربة الأكثر إيلاماً في حياتي والأكثر فخراً أيضاً. قد يشعر الصائمون في الساعة الأخيرة من صيامهم ببعض المعاناة ليتصور الصائم أنه يستمر في الصيام الى ما لا نهاية، ففي اليوم الثاني يصحو المضرب عن الطعام فيجد أن النهار ليس هو النهار، وأن الحياة ليست هي الحياة، وأن الإنسانية تتقزم بحجم كسرة خبز، وأن الوجع المنبعث من الجسم كبير بحجم الوطن.
في اليوم الثالث للإضراب يشعر الإنسان أن العيون أصابها خلل ما، فلون الإضاءة تغير من الأبيض ويميل نحو الاصفرار، وأسلاك السجن تتحرك برغم ثباتها، ويبدأ الجسم باستدعاء الاحتياط ليتغذى على نخاع العظم، وهذا بدءا من اليوم الرابع، تصاحب ذلك آلامٌ شديدة في المفاصل كأنه شيئاً ما يسحب من الداخل، تصل تلك الآلام حد البكاء، ولكن شرف الصمود هو الزاد الوحيد الذي يحدث توازناً مع الألم الأكثر قسوةً في كل تجربة الإنسان وتاريخه والتي لا تُمحى من ذاكرته.
الحالة الفلسطينية تشهد تراجعاً كبيراً منذ سنوات، وقدرا من المجهول يحيط بمستقبلها، ليس فقط بسبب تمكين إدارات أميركية وإسرائيلية متطرفة، بل بسبب عجز الفلسطينيين عن إدارة واقعهم وإدارة اختلافهم وفشلهم في بناء نظام سياسي وتشكيل حكومة وإنهاء الانقسام وفشل إجراء انتخابات وفشل الشعب كمرجعية للنظام السياسي، كل ذلك أرخى بظله على القدرات الفلسطينية وحال دون تحقيق لإنجازات حقيقية، بل تعرض الفلسطينيون في السنوات الأخيرة لعدد من الخيبات زادت من الإحباط والشعور بالمرارة.
هنا أهمية الإضراب أنه يأتي في لحظة قاتمة، يفتح أفقاً نافضاً غبار ما تراكم في السنوات الأخيرة، الأسرى أذكياء في التقاط اللحظة التاريخية الهامة، وهذا الاضراب الذي يلخص تاريخ سبعة عقود من الصراع بين ارادتين، ارادتنا الحرة واراتهم الغاشمة، وهنا ممنوع أن ننهزم وممنوع أن نخذل هؤلاء الذين قادونا لمحطة ناصعة البياض، ممنوع أن نتركهم وحدهم، وهنا على القيادة الفلسطينية والفصائل والأحزاب أن تضع خطة سريعة لكيفية تحويل هذا الإضراب الى حالة شعبية جماهيرية تتجند فيها كل القوة وكل الطاقات وكل الساحات وكل المؤسسات وكل وسائل الإعلام وكل السفارات وكل الجاليات وكل أصدقاء الشعب الفلسطيني بمسيرات تتحرك في مدننا وكل مدن العالم، انها فرصة لأن نطوي أخبار العالم ونتصدر أول الأخبار وأهمها.
الإسرائيليون يحذرون من انتفاضة شعبية اذا ما استُشهد أحد الأسرى، ومن الواضح أن الأسرى فرضوا برنامجهم على الجميع، لقد نجح مروان البرغوثي وزملاؤه في إعلاء البرنامج هذه المرة، وجميعاً يجب أن نكون خلفهم، وهذا هو دورنا جميعاً.. احتضان الإضراب وتحويله الى برنامج عمل وطني في ظل فقر البرامج وخلو الساحة الا من الصراعات والشتائم وتقاسم الحصص والأجواء المعكرة بصراع السلطة، بوصلتنا انحرفت وهم يعيدون تصويبها. علينا اللحاق بهم بأقصى ما نملك من قوة وسرعة، فان في هزيمتهم هزيمة لنا جميعاً، والفلسطيني لا يمتلك متسعاً من الوقت للهزائم، فلننتصر للأسرى، لننتصر لنا جميعاً..!