النجاح -

مرة أخرى تنتفض محافظة "سيدي بوزيد"، مهد الثورة التونسية، بعد فاجعة راح ضحيتها 12 شخصا أغلبهم عاملات في ضيعات فلاحية. كارثة خلفت حالة من الاحتقان في أغلب مدن المحافظة وقراها وموجة من الغضب ضد حكومة يوسف الشاهد.

استفاقت قرية "البلاهدية" الواقعة تحت سفح جبل المغيلة من معتمدية السبالة بمحافظة سيدي بوزيد التونسية، فجر السبت الماضي 27 أبريل/ نيسان 2019 على وقع كارثة كبرى تمثلت في مقتل 12عاملا وعاملة فلاحية وإصابة 20 آخرين في انقلاب شاحنة غير مؤهلة للنقل كانت تقلهم إلى أحد حقول الجهة.

مظاهرات في تونس لدعم عملية الأيادي النظيفة

 

حالة احتقان كبرى

حادثة خلفت حالة احتقان في أغلب مدن ومناطق سيدي بوزيد حيث خرج قرابة خمسة آلاف محتج على أثر الحادثة في تحركات احتجاجية أغلقت على إثرها جميع الطرقات والمنافذ المؤدية إلى المحافظة وتوقفت الدراسة في مختلف المدارس الابتدائية والإعدادية والمعاهد الثانوية كما أغلقت جميع الإدارات والمؤسسات العمومية والمستشفيات باستثناء الأقسام الاستعجالية.

ودعا الاتحاد الجهوي للشغل بمحافظة سيدي بوزيد، أعرق منظمة نقابية بالبلاد إلى إضراب عام تنديدا بالحادثة إلى جانب المطالبة بحق الجهة في التنمية والتشغيل والعيش الكريم.

كما انتصبت خيمة للعزاء وسط مدينة سيدي بوزيد بساحة الشهيد "محمد البوعزيزي" بائع الخضار الذي أشعل شرارة ثورة 14 جانفي يناير 2011 رفعت فيها شعارات تطالب بفتح تحقيق جدي لتحديد المسؤوليات وتقنين نقل العاملين بالحقول وتهيئة المسالك الفلاحية وإحداث مستشفى بمنطقة السبالة.

واتخذ المحتجون أغطية رأس ملونة بالزهور (المحرمة بالعامية التونسية وهو غطاء رأس ترتديه النسوة في الأرياف) رمزا يعبر عن غضبهم وتكريما للنساء الفلاحيات اللواتي يضطررن للقبول بالعمل لساعات طويلة 14 ساعة يوميا في الضيعات الفلاحية مقابل أجر زهيد (10 دنانير/3دولار).

عدد كبير من المحتجين حملوا الحكومة التونسية التي يترأسها يوسف الشاهد بمعية حركة النهضة أحد أقطاب الحكم في البلاد مسؤولية الحادثة في ظل ما أسموه بسياسة التهميش وإهمال القطاع الفلاحي وغياب المشاريع التنموية بالجهات الداخلية واستفحال البطالة.

وقال الأمين العام للمنظمة الشغيلة نور الدين الطبوبي: "إن كان رئيس الحكومة مسؤولا فعليه إقالة من كان سببا في هذا الحادث سواء في قطاع النقل أو في وزارة المرأة… ومن أبسط أبجديات الديمقراطية عندما يخطئ مسؤول عليه الاعتراف ومن ثم الاستقالة".

تونس: شاحنات الموت تفجر موجة غضب ضد الحكومة
 

بدوره طالب الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بسيدي بوزيد لزهر القمودي الحكومة بعقد مجلس وزاري عاجل لفائدة الجهة مضيفا أن الاضراب العام كان لإيصال صوت أهالي الجهة للحكومة ولرئاسة الجمهورية وأكد أن للجهة محاضر جلسات مع الحكومة لم تفعل إلى حد اليوم داعيا السلط المعنية إلى تفعيل مطالب الجهة قبل اتخاذ طرق نضالية اخرى قد تكون أشد حدة من الإضراب العام.

ردود أفعال غاضبة وأحزاب ومنظمات تستنكر

تتالت ردود الأفعال المنددة بالحادثة التي خلفت حالة من السخط في صفوف التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي وانقدت أغلب المواقف الحكومات المتعاقبة وحملتها مسؤولية الظروف التي تعانيها الجهات الداخلية بالبلاد وافتقارها إلى ابسط مقومات التنمية، إلى جانب تنديدهم بالظروف التي تعانيها المرأة الريفية في بلد يعد رائدا في مجالات حقوق وحريات المرأة.

كما تتالت أيضا بيانات الأحزاب السياسية بعد الحادثة ونددت أغلبها بتواصل تهميش العاملين بالقطاع الفلاحي.

وقد طالبت حركة نداء تونس (الحزب الثاني الحاكم في تونس) بمحاسبة المسؤولين عن وفاة العاملات الفلاحيات واتخاذ قرارات عاجلة لإحاطتهن اجتماعيا وتوفير الرقابة الضرورية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث الأليمة.

في حين دعت حركة النهضة مجلس نواب الشعب إلى التسريع بالمصادقة على المبادرة التشريعية التي تقدمت بها والمتعلقة بتنقيح قانون النقل البري لتنظيم نقل العملة بالقطاع الفلاحي.

بينما طالبت الجبهة الشعبية (حزب سياسي معارض) بإعلان يوم حداد وطني احتراما لأرواح النساء العاملات وعائلاتهن. واعتبرت أن هذه الفاجعة الوطنية جدت نتيجة صمت الحكومات المتعاقبة ولا مبالاتها بمأساة المرأة الريفية حيث لا تزال مئات الآلاف من نساء تونس يرزحن تحت الفقر والاضطهاد والاستغلال الاقتصادي، داعية البرلمان إلى عقد جلسة طارئة ومناقشة الأمر ومساءلة كل الوزراء المعنيين من وزرة المرأة إلى وزير الفلاحة ووزير الداخلية.

تونس: شاحنات الموت تفجر موجة غضب ضد الحكومة
 
فيما دعا الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية مختلف الجهات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها في تحديد أسباب تواتر هذه المآسي وفرض سلطة القانون على المخالفين واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هذا النزيف وضمان شروط السلامة في وسائل النقل وعلى الطرقات وتوفير النقل في ظروف إنسانية وآمنة للعاملات في الوسط الريفي.

من جهته دعا عضو منتدى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، رمضان بن عمر، الحكومة التونسية إلى تحمل مسؤوليتها كاملة، والبحث والتحقيق ومحاسبة المسؤولين عن هذه الفاجعة من خلال تتبع مخالفي القانون الذين يواصلون نقل عاملات الفلاحة في وسائل نقل غير مخصصة للغرض.

وأضاف بأنّ الحكومة مطالبة بإلزام جميع الأطراف والمشغلين باحترام العلاقات الشغلية التي يكفلها الدستور، وضمان حق الشغل والأجر اللائق والحماية والتغطية الاجتماعية التي يفرضها القانون التونسي والمواثيق الدولية للشغل.

تونس
أرقام مفزعة

حادثة "السبالة" ليست الأولى حيث شهدت عدة محافظات تونسية حوادث مماثلة في الآونة الأخيرة راح ضحيتها العشرات من العملة الفلاحيين الذين يعملون في ظروف تفتقر لأدنى مقومات السلامة.

فمنذ سنة 2015 تسببت "شاحنات الموت" وفقا للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في وفاة أكثر من 40 عاملة و 492 جريحة، نتيجة ظروف النقل اللاإنسانية وعدم احترام القانون وعدم تفعيل مختلف الإجراءات الحكومية.

قرارات موسمية

الحادثة تلتها أيضا جملة من القرارات والإجراءات، حيث قرر وزير الداخلية التونسية هشام الفوراتي فتح تحقيق فوري في حادثة وفاة 12 عاملا وعاملة في حادث مرور السبالة، مؤكدا تعهد الحكومة بتسخير جميع الإمكانيات البشرية والمادية لإيلاء المصابين العناية اللازمة والإحاطة بعائلات الضحايا ومتابعة وضعياتهم عن كثب.

من جانبها تعهدت وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ بإحداث مستشفى جامعي في محافظة سيدي بوزيد بتمويل فرنسي، مشيرة إلى أنه سيقع قريبا الإعلان عن طلب عروض بخصوص هذا المشروع.

في حين قالت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن نزيهة العبيدي إن الوزارة تعمل على طلب عروض لتمكين النساء الريفيات اللاتي يمتلكن رخص قيادة من قروض في إطار مشروع لامتلاك سيارات لنقل العاملات أو الاستعانة بها في تنفيذ مشاريعهن الخاصة.

قرارات اعتبرتها جهات عدة موسمية ولا ترقى إلى مستوى طموحات الجهة المفقرة، خاصة وأن سيدي بوزيد كانت مهدا لثورة أطاحت بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ولكنها ما تزال إلى اليوم ترزح تحت وطأة الفقر والبطالة والتهميش.