بمشاركة ايناس أحمد - النجاح الإخباري - تماماً عند باب المجلس، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك، تتضح ملامح بسطةٍ متواضعة تختزل في طياتها عبق رائحة القدس والأحلام الكبيرة بالعودة إليها، على يمين طريق التكية هناك، مقابل بائع الفلافل المقدسي الطيب، لابد وأن تداهم تلك الرائحة شرودك الصباحي، حين تنصت لصوته الذي يحمل جاذبية ما تشدك على إزاحة رأسك صوب المكان، وتنصت لكلماته الموسيقية البسيطة تلتحم مع الرائحة العتيقة، حين يصيح "كعك، كعك مقدسي يا خال"، لابد وأن تضيع أنت بوجه أسمر قد انعكست اشعة الشمس عليه وكأنها انعكاسات كرة من البلور.

تسمعه حين ينادي على رفيقه الأبيض بلكنة اهل القدس، يتقنها تماماً كأسمه، كيف لافريقي ان يتحدث العربية العامية تحديدا وبلكنتها المقدسية؟ هي الملامح افريقية لكن الهوى والهوية مقدسية، في القدس عاش جده و في القدس ولدت امه واباه و ولد هو.

 في القدس جالية افريقية تمتزج مع المجتمع المقدسي متلاشية فروقات اللون والأصل، يعود أصلها لأربع دول كانت قد جاءت منها، تشاد، النيجر، السنغال و السودان، هم كغيرهم ممن خدم مدينة القدس وضحى لأجلها بالغالي والنفيس.

كيف سكن الأفارقة في القدس؟

سكن الأفارقة مدينة القدس على مراحل مختلفة، بدأت مع الفتح العمري الذي سمح للمسلمين بدخول مدينة القدس، وكان لدى الأفارقة اعتقاد بأن من يقدس حَجَه بالمسجد الأقصى فهو مقدسٌ، الأمر الذي يرفع من مكانته الاجتماعية، توالت زيارت الأفارقة لمدينة القدس ومع بداية الحكم العثماني للمدينة، تطوع الأفارقة بالجيش العثماني لخدمة المسجد الاقصى، فأصبحوا هم السدنة والحراس ومن يفتحون أبواب المسجد ويغلقونها.

كان الأفارقة بحكم عملهم بالمسجد الأقصى قريبي السكن منه، فاتخذوا من الرباط المنصوري، ورباط علاء الدين البصيري في باب المجلس وباب الناظر مسكناً لهم، ومع اندلاع الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني تحول الرباطين لسجن أطلق عليه سكان مدينة القدس "حبس العبيد"، وعند وقوع الانتداب البريطاني تم نقل السجن من باب المجلس لسجن المسكوبية الحالي، وصار الرباطين وقف اسلامي يتبع لدائرة الاوقاف الاسلامية، قام مفتي القدس في تلك الحقبة، امين الحسيني بالتوسط عند دائرة الاوقاف الاسلامية بتأجير رباطي المنصوري وعلاء الدين البصيري للأفارقة بمقابل مادي زهيد، ومن تلك اللحظة بدأ استقرار الافارقة.

أول قصص التضحية من أجل القدس

بدأ الأفارقة بالاستقرار بمدينة القدس التي لطالما تمنوا السكن فيها، وبدأت تضحياتهم من اجلها.

سُطرت أولى التضحيات مع توتر العلاقة ما بين امين الحسيني وبريطانيا و مطاردة الثانية للأول، ذهب أمين الحسيني للصلاة في المسجد الاقصى فوصلت للانجليز اخبارية بتواجده هناك، كان معظم حراسه من الأفارقة وكان شديد الثقة بالحارس عثمان، جاءت القوات البريطانية لاعتقال الحاج امين، فما كان من عثمان الا ان يقف على باب الاقصى ويمنعهم من الدخول، في حين تم اطلاق النار عليه واستشهاده كان الحاج امين الحسيني قد نجح بالفرار من باب المغاربة لخارج القدس.

أول أسيرة فلسطينية من الجالية الافريقية

عند احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس في العام 1967، نزح بعض الأفارقة خارج مدينة القدس و بينما بقي الآخرون مكانهم، واجتهدوا في الدفاع عن المدينة بمشاركة المقاومة الفلسطينية، خرجت من بينهم فاطمة البرناوي التي حاولت تفجير سينما قبل اعتقالها والحكم عليها بالمؤبد، قضت منه عشر سنوات وخرجت بصفقة للتبادل ما بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، وتم ابعادها لخارج فلسطين لحين توقيع اتفاقية اوسلو وعادت مع منظمة التحرير.

أول شهيد في انتفاضة الاقصى من الجالية الافريقية

ما أن قام أرئيل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي باقتحام المسجد الأقصى في يوم الجمعة عقب الصلاة، اندلعت مواجهات ما بين الشبان وقوات الاحتلال، أسفرت عن عدد كبيرة من الاصابات والجرحى الذين تم نقلهم للعلاج في مشفى المقاصد الخيرية.

علت نداءات الاستغاثة عبر مكبرات الصوت مطالبة المتواجدين بالمسجد الاقصى بالذهاب للتبرع بالدم، سمع النداء أسامة جدة الذي كانت زمرة دمه (O-)، الأمر الذي جعله سرعان ما وصل المشفى بالتزامن مع منع الشبان الموجودين قوات الاحتلال من اقتحام المشفى واعتقال المصابين، اندلعت مواجهات في ساحة المشفى أدت الى اصابته بعيار ناري من النوع المتفجر، واستشهد اسامة وكان أول شهيد في انتفاضة الأقصى عام 2000.

وضع الجالية الافريقية في القدس

يعيش ما يزيد عن 450 مقدسي من اصول افريقية في القدس، يعانون مما تعاني منه المدينة من المداهمات المستمرة، الاعتقالات التعسفية، عدا عن تفتيش البيوت، الابعادات عن المسجد الاقصى ومدينة القدس، ولعل قرب مكان سكنهم من المسجد الأقصى جعلهم في الواجهة.

يقول موسى قوس، مدير جمعية الجالية الافريقية في القدس: "بحكم اقامتنا على مدخل المسجد الاقصى نحن في وجه العاصفة أي حدث يحدث نكون نحن في المواجهة".

الاقامة في مدينة القدس تستحق التضحية

بيوت ضيقة ومساحتها صغيرة نوعاً ما، قديمة ومتراصة بجانب بعضها البعض، تغزوها الرطوبة من شتى الاتجاهات، غير صالحة للمعيشة وغير مطابقة لمعايير الصحة والسلامة، هي بيوت الجالية الافريقية في مدينة القدس برباط المنصوري وعلاء الدين البصيري.

يقول موس قوس، مدير الجالية الافريقية في مدينة القدس:" الحفاظ على الهوية والاقامة في مدينة القدس يستحق كل هذه التضحية حتى لا نفقد اقامتنا في المدينة، خصوصاً في ظل عدم اعتراف الاردن فينا كمقدسيين ومنحنا جواز السفر الأردني".

الافريقي المقدسي لا يسافر

عدم اعتراف الأردن بالجالية الافريقية بمدينة القدس كغيرهم من سكان المدينة واعطاءهم جواز السفر الاردني أثر عليهم بصورة مباشرة، هم كالمقدسيون يحملون هوية الاقامة الدائمة من دولة الاحتلال، لا يملكون جواز السفر الفلسطيني مثلهم مثل سكان القدس، ولا يملكون جواز السفر الاردني كغيرهم من سكان المدينة، الأمر الذي منعهم من زيارة أي بلدٍ ليس لها أي علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، عند السفر يستصدرون بطاقة "سيباسيه" تسمح لهم بالسفر فقط للدول ذات العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل.

يقول موسى قوس"حتى لا نستطيع زيارة البلاد الأصلية التي أتينا منها، والدي من التشاد ولا استطيع السفر أو زيارة التشاد لانه ليس لها علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، وهذا أدى الى قطع علاقتنا مع البلد الاصل".

حبس العبيد اختفت وولدت علاقات أسرية

في البداية عند استقرار الافارقة كأغراب بمدينة القدس وتحويل رباطيهم لسجن أسماه اهل المدينة بحبس العبيد، صار التمييز فيما بينهم، حتى اذا رأى الأبيض الأسمر، نعته بحبس العبيد، العبارة التي يجهل خلفيتها التاريخية الكثيرون، يقول موسى قوس:" حبس العبيد تزعجنا لأن العبد يباع ويشترى، ونحن بالجالية الافريقية احرار ولم يشترى بنا احد او يباع منا احد، بل كنا زعماء قبائل في بلادنا الأصل وحراس في المسجد الاقصى في مدينة القدس".

يضيف، "نتفهم بأن الناس عندما يقولوا حبس العبيد لا يقصدون الاساءة، بل ربطوا بان الاسمر هو العبد، لكن تاريخ الجالية النضالي قياساً بحجمها اكسبنا احترام الشعب الفلسطيني والمقدسي بشكل خاص، الأمر الذي جعل مسمى حبس العبيد يختفي تماماً واصبحنا الجالية الافريقية"

اختفت على مر السنين أي مصطلحات عنصرية كان الاجداد فيما بينهم ينعتون بها الجالية الافريقية في القدس، و زاد حبهم وقويت علاقاتهم، الافارقة هم سدنة الاقصى وحراسه، هم أسرى القدس وشهداءها، زاد تقديس المقدسيين لسكان الجالية الافريقية، تلاشت الفروق وتزوج الأبيض بالسمراء، وتزوج الأسمر بالبيضاء، ولم يعد للتمييز أي معنى في مدينة القدس مهد الديانات.

يقول موسى قوس:" اتوقع بمرور عشر سنوات من الآن، ان لا أجد أسمراً في الجالية الافريقية نتيجة التزواج من غير الجالية الافريقية ودمجنا بطريقة لا يوجد فيها أدنى تمييز مع المجتمع المقدسي".

العصيدة والحطيطة ما زالت حتى يومنا هذا

هي موروثات تقليدية جاءت مع الافارقة من بلادهم الأصل وعاشت معهم في مدينة القدس، فما زالت العصيدة المكونة من السميد، و- الويكا - البامية التي يتم تنشيفها و دقها مع الفلفل الاحمر واللحمة المفرومة التي توضع فيما بعد حول السميد في طبق التقديم، محافظة على مكانتها ما بين سكان الجالية الافريقية.

اما الحطيطة فما زالت اصيلة تراها في الفرح والترح، تجمع اهالي الجالية الافريقية على قلب واحد، حيث يقومون بجمع المال واعطائه لصاحب الفرح، اما في حالة الوفاة فانها تتكفل بثلاث ايام العزاء.

الجالية الافريقية في مدينة القدس، صرحٌ زاخرٌ بسطور المقاومة والنضال، من سدنة وحراس للأقصى لساكنيه ومجواريه، ما ورثوه عن اباءهم هو حب القدس و العيش لأجلها وسمرة الجسد ونقاء القلب، لولا سمرة الوجه لظننت بأنهم اهل القدس أباً عن جد، وان عرقهم قد امتد لسابع جد، لكن ملامحهم السمراء الخجولة تكشف اصولهم فتقوم اللكنة المقدسية التي اتقنوها مسرعةً بالتستر عليهم، لتثبت بأن القدس تجري بعروقهم.