النجاح الإخباري - بقلم: د. ياسر أبو بكر
بعد صلاة الجمعة، وبينما كنت أخرج من المسجد، استوقفني أحد الجيران. لم يبدأ بنظرية تربوية ولا بإحصاءات، بل بحرقة أب: مضت أسابيع على بدء الدراسة، وما زال بعض الطلبة بلا كتب. وسألني: كيف نريد من الطالب أن ينتظم ويتابع، وأداة تعلّمه الأساسية لم تصل إليه؟
لا أملك أرقاما موثقة عن حجم التأخير، وتوضيحه مسؤولية الجهات الرسمية. لكن السؤال في محله، فالكتاب في الصفوف الأولى ليس تفصيلًا لوجستيا، بل جزء من انتظام العملية التعليمية نفسها.
ثم قال ما دفعني إلى كتابة هذه السطور. لم يتوقف عند سؤال «من قصّر؟»، بل سأل: ماذا نفعل نحن حين يقع التقصير؟ الاحتلال قائم وظروفنا قاسية، لا ينكر ذلك أحد، لكن هل يصبح تفسيرا وحيدا لكل إخفاق؟ وإذا عجزت المدرسة، فأين المجتمع؟ وإذا رأى المثقف أو صاحب الإمكانات خللا واضحا، هل يكفيه أن يشير إليه ثم يمضي؟
الاحتلال حقيقة، لكنه لا يعفينا،
لا يمكن الحديث بجدية عن التعليم الفلسطيني بمعزل عن الاحتلال، فهو يعيق حركة الطلبة والمعلمين، ويضغط على الاقتصاد والاستقرار النفسي، ويقتحم المدارس ويعطّل الحياة الدراسية. غير أن الاعتراف بذلك لا ينبغي أن ينتهي إلى تأجيل كل مسؤولية ذاتية إلى ما بعد زواله.
خذ طفلا في الصف الثالث لا يقرأ بما يناسب عمره. إن تركناه ينتقل عاما بعد عام بالفجوة نفسها، فسنكتشف بعد سنوات أنه في مرحلة متقدمة بلا أدوات التعلّم الأساسية. هذا ما يمكن تسميته «الدَّين التعليمي المتراكم»: فجوة صغيرة تُهمَل اليوم فتصير عبئا يصعب سداده غدا.
ومسؤولية الدولة لا تسقط ،
أقول هذا بوضوح كي لا يُفهم كلامي خطأً: دعوة المجتمع إلى المبادرة لا تعفي الوزارة من واجبها في الكتاب والمعلم والمنهاج والإشراف، ولا تُسقط حق الأهالي في المساءلة والمطالبة. المجتمع الذي يسدّ ثغرة لا يصادق عليها، ولا يصح أن يصير تطوعه غطاء للتقصير الرسمي. الدولة تقوم بواجبها كاملًا، والمجتمع لا يتخذ من تقصيرها ذريعة للانسحاب. هذا هو العقد المطلوب.
انتقل حديث جاري إلى الدور التربوي للمدرسة وخص مدارس البنات. تحدث بأسى عن غياب صور المتابعة التي عرفها جيله، وعن حاجة المدرسة إلى حضور فعلي للإدارة والموجّه والمرشد، لا أن تتحول إلى حصص ومنهاج وامتحان. وسأل: أين التربية في «التربية والتعليم»؟
وهو سؤال مشروع. فالمدرسة ليست مصنعا للعلامات، بل من أهم مؤسسات التنشئة، يتعلم فيها الطالب النظام والمسؤولية واحترام الآخر والحوار. وأضيف أن هذه المعالجة يجب أن تنطلق من الوقاية والإرشاد وبناء العلاقة المهنية مع الطلبة، وأن تبقى المدرسة فضاءًا تربويا واخلاقيا، وكرامة الطالب والطالبة وحقهما في بيئة آمنة هي نقطة البداية في كل معالجة لا هامشها.
المعلم وحده لا يستطيع
قال جاري: أعطينا المدرسة مسؤولية ضخمة ثم انسحبنا. وهذا صحيح إلى حد بعيد. نطلب من المعلم أن يعلّم ويربّي ويعالج الفاقد ويضبط الصف ويعوّض قصور الأسرة والمجتمع، ثم نلومه إذا لم يفعل ذلك كله. لا يوجد نظام تعليمي ناجح يعمل بهذه الطريقة.
التعليم مسؤولية مشتركة: الوزارة عن السياسة والكتاب والمعلم، والمدرسة عن جودة البيئة، والأسرة عن المتابعة والقدوة، والجامعة عن أن تنزل بخبراتها إلى المجتمع، والقادرون عن ألا يبقى دعم التعليم بندا في الخطابات. وهي مسؤولية وطنية ودينية، كما قال جاري، وأضيف إليها أنها مسؤولية أخلاقية وإنسانية؛ لأن الطفل الذي نتركه اليوم عاجزا عن القراءة هو مواطن الغد الذي نطالبه بأن يفكر ويختار ويبني.
معركة الوعي تبدأ مبكرًا
الطفل لا يتلقى وعيه من كتاب التربية الوطنية وحده، بل من الهاتف، ولغة الأسرة، وسلوك المعلم، وطريقة تطبيق القانون، ومن احترامنا للمعرفة أو استخفافنا بها. والطفل القادر على القراءة يفهم أكثر، ومن يفهم يسأل، ومن يسأل يفكر، ويصبح أصعب على التضليل.
لذلك فتعليم القراءة والحساب في حالتنا أكثر من مهارة مدرسية، إنه جزء من القدرة الوطنية على الصمود.
ما الذي يمكن فعله؟
لا أدعو إلى استعادة مدرسة الثمانينيات كما كانت، فالعالم والأطفال وأدوات المعرفة تغيّرت. المطلوب استعادة وظائفها الجوهرية بأدوات هذا العصر: المتابعة، والعلاقة التربوية، والشراكة مع الأسرة، والكشف المبكر عن التعثر.
ومن هذا المنطلق ناقشتُ مع الأخ عمار ياسين فكرة «مبادرة استرداد التعلّم والمهارات الأساسية»، وهي تجربة مجتمعية مساندة صُمّمت لتكون صغيرة وقابلة للقياس: 40 إلى 60 طالبًا من الصف الأول حتى الرابع، لمدة ثمانية أسابيع. تبدأ بتقييم تشخيصي لمعرفة ما فقده الطفل فعلًا، ثم مجموعات صغيرة تركز على القراءة والكتابة في العربية والمهارات الحسابية الأساسية، مع قياس قبلي وبعدي. تقوم المدرسة بالتشخيص والإشراف، ويساند الجامعيون والمتطوعون في التنفيذ، ويتابع الأهل، ويدعم المجتمع المحلي بما يستطيع. ومعيارها الوحيد: ليس كم جلسة عقدنا، بل كم طفلًا تحسّن فعلًا، وبأي مقدار.
لا أقدّمها حلا شاملا، بل مثالا على أن ما نستطيعه أكبر مما نظن.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه
قد يختلف المرء مع جاري في بعض عباراته، وقد أختلف أنا مع بعض الحلول الصارمة التي طرحها، لكن حرقته لا ينبغي أن تضيع وسط التفاصيل. كان يقول في الجوهر: لا تتركوا أولادنا وحدهم.
والسؤال الأجدى اليوم ليس «من المسؤول؟» فجوابه معروف بدرجات متفاوتة، بل: ما المسؤولية التي أستطيع أنا أن أتحملها الآن؟
هل يستطيع طالب جامعي أن يمنح ساعتين أسبوعيا لطفل متعثر؟ هل يستطيع معلم متقاعد أن يساند مجموعة صغيرة؟ هل تستطيع مدرسة أن تكشف الطالب المتعثر مبكرا بدل أن تتركه يعبر إلى الصف التالي؟
هذه ليست أعمالا هامشية. حين نعيد لطفل مهارة فقدها، فنحن نمنحه جزءًا من قدرته على التعلم في السنوات التالية. وحين نرفض أن يصير الاحتلال ذريعة للتخلي عما نستطيع فعله، فلا نقلل من أثره، بل نمارس أعمق أشكال مقاومته: ألا نسمح له بأن يأخذ منا قدرتنا على بناء أبنائنا.
في التعليم لا توجد خسارة صغيرة. طفل يفقد القراءة اليوم قد يدفع الثمن سنوات، وطفل نسترد له تلك القدرة قد نغيّر مساره كله.
فلنسأل جميعا: كم طفلًا تحسّن فعلًا، وما مقدار هذا التحسن؟ هناك تبدأ المسؤولية الحقيقية.