نابلس - النجاح الإخباري - بقلم: د.ياسر أبو بكر
في الحلقات السابقة من سلسلتنا، بدأنا من السؤال الكبير: هل يتعلم أبناؤنا؟ ثم تحدثنا عن «الدَّين التعليمي» الذي ينتقل مع الطفل من صف إلى آخر، وعن زمن التعلم الذي يضيع بين الانقطاع والاضطراب، وعن مسؤولية المجتمع في استرداد ما فاته.
لكن ثمة سؤالًا أكثر بساطة، وربما أكثر خطورة، لم نطرحه بما يكفي: هل يستطيع الطفل الفلسطيني في سن العاشرة أن يقرأ نصًا مناسبًا لعمره ويفهم معناه؟
قد يبدو السؤال غريباً في مجتمع اعتاد الاعتزاز بالتعليم، ويرى في المدرسة إحدى أهم أدوات صموده الوطني. لكن السؤال لا يتعلق بقدرة الطفل على نطق الكلمات أو قراءة الجمل بصوت مرتفع، وإنما بقدرته على فهم ما يقرأ، واستخلاص المعنى، والربط بين الأفكار، واستخدام المعرفة في موقف جديد.
وهنا يكمن الفرق بين طفل يتعلم القراءة وطفل أصبح قادرًا على القراءة ليتعلم.
في السنوات الأولى من المدرسة، يتعلم الطفل الحروف والكلمات والجمل. لكن مع تقدمه في الصفوف، تصبح القراءة الوسيلة التي يتعلم بها العلوم والرياضيات والتاريخ والجغرافيا. فإذا لم يكتسب القدرة على القراءة والفهم في الوقت المناسب، فإن المشكلة لا تبقى محصورة في مادة اللغة العربية، بل تمتد تدريجيًا إلى معظم المواد الدراسية.
وهكذا قد يصل الطفل إلى الصف الخامس أو السادس، بينما لا تزال لديه فجوة تعود إلى الصف الثاني أو الثالث.
إنه يتقدم في الصفوف، لكن أدوات التعلم الأساسية لم تتقدم معه بالقدر المطلوب. وهذا ما يجعل القراءة المبكرة قضية تتجاوز تعليم اللغة إلى مستقبل التعليم كله.
وقد أطلق البنك الدولي على إحدى صور هذه المشكلة مفهوم «فقر التعلم»، ويقصد به عدم قدرة الطفل في سن العاشرة على قراءة نص بسيط وفهمه.
وخطورة هذا المفهوم أنه ينقل اهتمامنا من عدد السنوات التي أمضاها الطفل في المدرسة إلى ما اكتسبه خلالها. فالطفل قد يكون منتظمًا في الدراسة، وينتقل من صف إلى آخر، ويحقق علامات مقبولة، لكنه لا يمتلك بعد المهارة التي تسمح له بالتعلم المستقل.
وعندما نصل إلى نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة «PISA 2025»، نجد أن نحو 78% من الطلبة الفلسطينيين المشاركين في سن الخامسة عشرة لم يبلغوا الحد الأدنى للكفاءة في القراءة. وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا. فنحن لا نتحدث عن أطفال بدأوا تعلم القراءة حديثًا، وإنما عن طلبة أمضوا سنوات طويلة في المدرسة.
كيف وصل هذا العدد الكبير إلى الخامسة عشرة دون بلوغ الحد الأدنى من الكفاءة القرائية التي يقيسها البرنامج؟
هل بدأت المشكلة في المرحلة الإعدادية؟ أم أنها بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما انتقل بعض الأطفال من الصفوف الأساسية الأولى دون إتقان القراءة والفهم؟
لا يقدم لنا اختبار PISA وحده إجابة قاطعة عن هذا السؤال، لأنه يقيس أداء الطلبة في الخامسة عشرة، ولا يتتبع المسار التعليمي لكل طفل منذ دخوله المدرسة. لكنه يضع أمامنا إنذارًا لا يجوز تجاهله.
إذا اكتشفنا ضعف القراءة في الخامسة عشرة، فقد نكون تأخرنا سنوات عن الوقت الأنسب لمعالجته. وهنا تظهر مشكلة أخرى في طريقة إدارتنا للتعليم.
نحن نعرف عدد المدارس، وعدد المعلمين، وعدد الطلبة المسجلين، وعدد الغرف الصفية، ونسب النجاح والرسوب.
لكن هل نملك، بصورة دورية ومنشورة، إجابة وطنية دقيقة عن عدد الأطفال الذين يستطيعون القراءة والفهم في نهاية الصف الثالث أو الرابع؟ وهل نعرف حجم الفجوة بين المدارس والمحافظات والمناطق الريفية والمخيمات؟ وهل نعرف كيف تتغير هذه المهارة من عام إلى آخر؟
لا أعني أن مدارسنا لا تجري اختبارات أو أن معلمينا لا يعرفون مستويات طلبتهم. فهناك جهود تشخيصية وتقييمية متعددة داخل النظام التعليمي.
لكن ما نحتاجه هو منظومة وطنية واضحة ومستمرة لقياس المهارات التأسيسية، وإعلان نتائجها، واستخدامها لتوجيه التدخلات التعليمية.
فالقياس الذي لا يتحول إلى علاج يبقى وصفًا للمشكلة. والعلاج الذي لا يسبقه تشخيص قد يستهلك الوقت والموارد دون أن يصل إلى الطفل الذي يحتاجه.
وفي الخامس من تشرين الأول الجاري، عقدت وزارة التربية والتعليم العالي اجتماع مجموعة العمل القطاعية للتعليم، بحضور الوزير د. أمجد برهم والشركاء المحليين والدوليين. وكان من بين الأولويات التي عرضتها الوزارة معالجة الفاقد التعليمي، والتعليم التفاعلي، ومهننة التعليم، ومتابعة نتائج دراسة PISA.
وهذا توجه مهم يستحق البناء عليه. لكنني أعتقد أن الاستجابة الأكثر إلحاحًا لنتائج PISA لا تبدأ بالضرورة من طلبة الخامسة عشرة الذين خضعوا للاختبار، وإنما من الأطفال الأصغر سناً الذين لا يزال بإمكاننا منع تراكم الفجوات لديهم.
علينا ألا ننتظر نتائج اختبار دولي جديد لكي نكتشف ما كان يمكن قياسه داخل مدارسنا قبل سنوات.
ولعل أكثر ما يقلقني في هذا السياق هو أن يتحول النقاش التربوي إلى جدل حول الكتاب الورقي أو المصادر المفتوحة أو الشاشات أو التكنولوجيا، بينما يظل السؤال الأساسي مؤجلًا:
هل تحسنت قدرة الطفل على القراءة والفهم؟ فالطفل الذي لا يفهم نصًا مكتوبًا لن يصبح قارئاً أفضل لمجرد أن النص انتقل من الورق إلى الشاشة.
والطفل الذي يعجز عن استخلاص فكرة رئيسية من فقرة لن يكتسب هذه القدرة تلقائيًا عندما نوفر له عشرات المصادر الرقمية. بل إن الذكاء الاصطناعي قد يزيد المشكلة تعقيدًا إذا أصبح يقدم الإجابات الجاهزة لطفل لم يكتسب بعد القدرة على فهم السؤال.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: التكنولوجيا أداة مهمة، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب المهارات التأسيسية دون تصميم تربوي مناسب.
والإصلاح الحقيقي لا يقاس بحداثة الوسيلة، بل بمقدار التقدم الذي تحققه في تعلم الطفل. وفي الحالة الفلسطينية، تزداد المسألة تعقيدًا بفعل الظروف الاستثنائية.
ففي تقرير نشرته اليونيسف في أيلول الماضي، وثقت خلال النصف الأول من عام 2026 وقوع 224 حادثة مرتبطة بالتعليم في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أثرت مباشرة في أكثر من عشرين ألف طالب وطالبة.
وفي غزة، يواجه الأطفال واقعًا أشد قسوة بعد سنوات من الانقطاع والنزوح وتدمير المدارس، وهو ما يجعل استعادة المهارات الأساسية أولو