النجاح الإخباري - بقلم: د. ياسر أبو بكر
يمكن أن نغيّر المنهاج، ونبني المدرسة، ونضع أحدث شاشة في الصف، لكن في النهاية يقف بين كل ذلك وبين الطفل شخص واحد: المعلم.
وفي فلسطين تحديدا، لا يقف هذا المعلم في صف عادي.
قد يصل إلى مدرسته بعد حاجز أو إغلاق، وقد يدخل حصته وهو لا يعرف إن كان الدوام سيستمر كامل الأسبوع، ويعمل منذ سنوات تحت ضغط أزمة مالية وعدم انتظام الرواتب، وأمامه طلبة يحمل بعضهم فجوات تعليمية تراكمت بفعل الانقطاع والطوارئ. وفي غزة تصبح مهمة المعلم أكثر استثنائية ، إذ يحاول التعليم وسط آثار الحرب والنزوح وفقدان المدارس والاستقرار.
لذلك، حين نسأل: هل يتعلم أبناؤنا؟ لا يمكن أن نتجاوز سؤالًا آخر:
ماذا يحدث بين المعلم والطفل داخل الصف الفلسطيني؟
للأسرة والبيئة والظروف الاجتماعية أثرها، لكن الأدلة التربوية تشير إلى أهمية نوعية التدريس في تعلم الطلبة. وقد أظهرت دراسة واسعة نشرها راج تشيتي وزملاؤه عام 2014، واستندت إلى بيانات أكثر من مليون طفل، أن الدراسة لدى معلمين ذوي أثر أعلى في التحصيل ارتبطت بنتائج تعليمية أفضل، وبنتائج إيجابية لاحقة في حياة الطلبة.
لكن السؤال بالنسبة لنا ليس إثبات أن المعلم مهم ، فنحن نردد ذلك منذ عقود.
السؤال هو: هل نبني سياساتنا التعليمية على هذه الحقيقة؟
درّبنا 11 ألف معلم : ماذا تغيّر؟
أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي مؤخرًا تدريب نحو 11 ألف معلم ومعلمة للصفوف من الأول إلى الرابع، ضمن توجهات تشمل التعليم التفاعلي والتعلم المتمركز حول الطالب.
وهذا استثمار مهم، خصوصا أن الصفوف الأربعة الأولى هي السنوات التي تتأسس فيها القراءة والفهم والحساب.
لكن الرقم ينبغي أن يكون بداية السؤال، لا نهايته:
ماذا تغيّر داخل الصف بعد التدريب؟ وهل تحسن تعلم الأطفال؟
لدينا في فلسطين أساس يمكن البناء عليه. فالاستراتيجية الوطنية للقرائية وضعت إعداد المعلمين والقيادات المدرسية ضمن محاورها، وسبق تطوير مؤشر للأداء المهني يقيس الكفايات التدريسية لمعلمي الصفوف الأولى واستخدامه في برامج إعداد المعلمين وتطويرهم.
إذن، لسنا بحاجة إلى البدء من الصفر.
ما نحتاجه هو الانتقال خطوة إضافية: من قياس مشاركة المعلم في التدريب إلى قياس أثر التدريب في ممارسته وفي تعلم طلبته.
صف فلسطيني لا صف افتراضي
وهنا يجب أن نكون منصفين.
من السهل أن نقرأ النظريات الدولية عن «المعلم الفعّال»، لكن المعلم الفلسطيني يعمل في ظروف مختلفة.
في النصف الأول من هذا العام وحده، وثقت الجهات الدولية 224 حادثة مرتبطة بالتعليم في الضفة الغربية، بما فيها القدس، أثرت مباشرة في 152 مدرسة وأكثر من عشرين ألف طالب ومئات العاملين في التعليم.
وهذا يعني أن تحسين التدريس في فلسطين لا يمكن أن يُبنى على نموذج صف افتراضي مستقر.
كيف نطلب من المعلم أن يخطط لتعلم متدرج بينما يتعرض الدوام للانقطاع؟ وكيف نعالج فجوات الطلبة عندما نخسر جزءا من زمن التعلم؟ وكيف نطالب المعلم بالتطوير المستمر بينما يعيش هو نفسه حالة من عدم الاستقرار المالي والمهني؟
هذه الظروف تفسر الصعوبة، لكنها لا تلغي ضرورة التحسين.
بل تجعل السؤال أكثر أهمية: كيف نبني معلماً قادرا على التعليم الجيد حتى في بيئة غير مستقرة؟
هل الصف الهادئ صف جيد؟
هناك أيضا قضية تتعلق بثقافتنا التعليمية نفسها.
قد ندخل صفًا فنجد المعلم يشرح، والطلبة صامتين، والسبورة ممتلئة، فنقول إن الحصة ممتازة.
لكن هل تعلم الأطفال؟
المعلم الجيد ليس بالضرورة من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يشرح، ومتى يسأل، ومتى يترك الطالب يفكر.
فالطفل يحتاج إلى أن يسأل ويجيب ويخطئ ويصحح ويقارن ويشرح.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نكافئ الطالب على الإجابة الصحيحة أكثر مما نعلمه كيف يصل إليها؟
إذا كنا نريد تعليما يبني التفكير، فإن تغيير هذه الثقافة ربما يكون أهم من تغيير بعض صفحات الكتاب.
المدرسة التي يتعلم فيها المعلم
لهذا أقترح فكرة قابلة للتطبيق دون مشروع ضخم جديد: أن تصبح المدرسة نفسها مكانًا لتعلم المعلم.
يختار المعلم مهارة يريد تطويرها، كتحسين أسئلة الفهم أو التعامل مع الفروق الفردية. يزور حصته زميل للملاحظة المهنية، لا للتفتيش، ثم يناقشان ما حدث ويجرب المعلم مرة أخرى.
يمكن أن تبدأ التجربة في عدد محدود من المدارس، ثم نقيس نتائجها قبل التوسع.
والفكرة ليست إضافة عبء جديد على المعلم، بل نقل جزء من التطوير المهني من قاعات التدريب إلى المكان الذي نريد أن يحدث فيه التغيير فعلًا: الصف.
وعندما تنفذ الوزارة أو أي مؤسسة برنامجًا تدريبيا، لا يكفي أن يكون التقرير: «دربنا ألف معلم».
نحتاج إلى سؤالين إضافيين:
ما الذي تغير في ممارساتهم؟ وما الذي تغير في تعلم طلبتهم؟
المعلم الذي نحتاجه
التعليم الفلسطيني يحتاج إلى حماية المدرسة والمنهاج والبنية التحتية والتكنولوجيا، لكنه يحتاج قبل ذلك وبعده إلى حماية قدرة المعلم على أداء مهمته.
وهذا يعني راتبًا واستقرارًا وكرامة مهنية، لكنه يعني أيضًا إعدادًا جيدًا، ودعمًا مستمرًا، ومساحة للتجريب والتعلم من الزملاء، ومساءلة مهنية عادلة ترتبط بالتحسن لا بالعقاب.
ففي نظام تعليمي يعمل تحت الضغط، يصبح المعلم أكثر أهمية لا أقل.
قد تتعطل شاشة، ويتأخر كتاب، ويضيع يوم دراسي، لكن المعلم القادر يستطيع أن يستعيد شيئًا من فرصة التعلم. أما إذا أضعفنا المعلم، فلن تعوضه أحدث المناهج ولا أغلى التقنيات.
ولذلك، عندما نسأل: هل يتعلم أبناؤنا؟، علينا أن ننظر إلى قلب المدرسة الفلسطينية، إلى تلك اللحظة اليومية التي يلتقي فيها الطفل بمعلمه.
هناك يتحول المنهاج إلى معرفة، والسؤال إلى تفكير، والخطأ إلى فرصة للتعلم.
وفي فلسطين، ربما يكون الاستثمار في المعلم ليس فقط استثمارًا في جودة التعليم، بل في قدرة التعليم نفسه على الصمود والاستمرار.