نابلس - النجاح الإخباري - قدّم الإعلام العبري قراءات متشائمة لنتائج الحرب الأخيرة والتداعيات التي أفرزتها على مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، محذّرة من تراجع هامش المناورة الإسرائيلي في لبنان، واتساع الفجوة مع الرأي العام الأمريكي، إلى جانب تصاعد المخاوف من تداعيات السياسات الداخلية والخارجية لحكومة بنيامين نتنياهو.

ورأى الكاتب ناحوم برنيع في صحيفة يديعوت أحرونوت أن النظام الإيراني خرج من الحرب وهو يشعر بالنشوة والثقة بالنفس، معتبراً أن هذا الشعور قد يدفعه إلى ارتكاب أخطاء داخلية أو خارجية، سواء عبر تجدد الاحتجاجات أو من خلال الانشغال بالأموال التي قد تتدفق إليه من الولايات المتحدة وقطر وعائدات النفط، مؤكداً أن الانتصارات كثيراً ما تحمل في داخلها بذور الهزيمة.

واعتبر برنيع أن مصدر القلق الأكبر بالنسبة لإسرائيل ليس إيران، بل الولايات المتحدة، لأن إيران يمكن ردعها، بينما لا يمكن تعويض الدور الأمريكي في تعزيز مناعة إسرائيل، مضيفاً أن ما يجري داخل إسرائيل أخطر من نتائج الحرب نفسها، في ظل القوانين التي يدفع بها نتنياهو لضمان تماسك ائتلافه السياسي، معتبراً أن نجاحه السياسي أكثر ضرراً من إخفاقه العسكري.

وفي السياق ذاته، نقل برنيع عن الدبلوماسي الأمريكي المخضرم دينيس روس، الذي عمل في إدارات ستة رؤساء أمريكيين، تقديره بأن الأزمة بين إسرائيل والولايات المتحدة بلغت مستوى مرتفعاً، موضحاً أن العلاقات الشخصية بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليست الأزمة الأساسية، بل التحول الكبير في موقف الرأي العام الأمريكي، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، تجاه إسرائيل.

وأشار روس إلى أن نتنياهو تحول، في نظر قطاع واسع من الديمقراطيين، إلى رمز سلبي منذ خطابه أمام الكونغرس عام 2015 ضد الاتفاق النووي الإيراني، مؤكداً أن غالبية الديمقراطيين كانوا يؤيدون إسرائيل في السابق، بينما انقلبت الصورة اليوم، كما تراجعت مستويات التأييد لدى المستقلين والجمهوريين الشباب وحتى بين بعض الإنجيليين.

ورغم ذلك، قال روس إن الطلاب في الجامعات الأمريكية ما زالوا مستعدين للاستماع إلى وجهات نظر مختلفة، موضحاً أنه يحرص على المشاركة في حوارات مشتركة مع الباحث الفلسطيني غيث العمري، انطلاقاً من رفض الطرفين لأفعال حركة حماس.

وحول التسريبات الصادرة من داخل وزارة الدفاع الأمريكية، رأى روس أن جزءاً من المؤسسة الاستخبارية الأمريكية يحمل موقفاً سلبياً تجاه إسرائيل منذ قضية جوناثان بولارد، في حين ينظر القادة العسكريون الأمريكيون إلى إسرائيل باعتبارها شريكاً مهماً، خصوصاً مع اتساع التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة.

كما اعتبر أن التوجه نحو السعي لإسقاط النظام الإيراني خلال الحرب شكّل خطأً استراتيجياً، إذ أدى إلى توسع أهداف الحرب ودفع إيران إلى التفكير بإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسعار الوقود والأسواق المالية، قبل أن يقرر ترامب وقف التصعيد.

وفي الملف اللبناني، رأى روس أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يسعى لدفع المفاوضات قدماً بهدف إبعاد إيران وتحميل حزب الله مسؤولية تعطيلها، معتبراً أن على إسرائيل، إذا أرادت منع إيران من تحقيق مكاسب في لبنان، أن توافق على مسار انسحاب مشروط بإصلاحات داخل الدولة اللبنانية.

وأكد أن أي تغيير سياسي في إسرائيل قد يحد من تراجع الدعم الأمريكي لها، لكنه شدد على أن ذلك لن يكون كافياً ما لم تعمل أي حكومة مقبلة على فرض القانون ووقف اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الأمريكي.

وفي الشأن السوري، تناول برنيع رؤية الباحثين إيتمار رابينوفيتش وكرميت فالنسي للرئيس السوري أحمد الشرع، مشيرين إلى أنه انتقل خلال أشهر من قائد لتنظيم “هيئة تحرير الشام” إلى شريك مقبول لدى عواصم غربية، ووصفاه بأنه شخصية براغماتية ذات قدرات سياسية ودبلوماسية.

وأوضح الباحثان أن إسرائيل فضّلت منذ سقوط نظام بشار الأسد الاعتماد على القوة العسكرية بدلاً من المسار السياسي، رغم استعداد الشرع للعودة إلى ترتيبات أمنية تستند إلى اتفاق عام 1974، مؤكدين أن إسرائيل رفضت التقدم في هذا المسار.

كما أشارا إلى أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية أدى إلى ارتفاع مستويات العداء الشعبي لإسرائيل، في حين اعتبرا أن السيطرة الإسرائيلية على جبل الشيخ السوري قد تحمل أهمية عسكرية، بينما لا تمثل بقية المناطق التي سيطرت عليها قيمة مماثلة.

وفي ما يتعلق بلبنان، رأى الباحثان أن فكرة مواجهة النظام السوري لحزب الله غير واقعية، داعين إلى حوار إسرائيلي مع الحكومتين اللبنانية والسورية، في ظل وجود مصالح مشتركة، كما حذرا من سياسة إسرائيل تجاه الدروز في سوريا، معتبرين أن المصلحة الإسرائيلية تكمن في التوصل إلى تسوية بين النظام السوري والدروز، وليس في تعميق الانقسام.

من جهته، ركز الكاتب يوآف ليمور في صحيفة يسرائيل هيوم على تداعيات الحرب الأخيرة، معتبراً أن المشهد الإقليمي تغيّر بصورة جوهرية، بعدما كانت إسرائيل والولايات المتحدة في موقع قوة، بينما أصبحت إيران اليوم أكثر ثقة بنفسها.

وأشار إلى أن الهدوء الحالي في لبنان فُرض بقرار أمريكي على إسرائيل، وبقرار إيراني على حزب الله، معتبراً أن الحديث الإسرائيلي عن امتلاك حرية عمل كاملة في لبنان لا يعكس الواقع، لأن قدرة الجيش الإسرائيلي باتت تقتصر على استهداف تهديدات ميدانية محدودة في الجنوب، بينما لا يستطيع العمل بحرية في بيروت أو منع نقل الأسلحة وإعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله.

وأوضح ليمور أن الضربات الإسرائيلية المحدودة في بيروت قبل وقف إطلاق النار أثارت غضب واشنطن، التي خشيت من تقويض المفاوضات مع إيران، ما دفع ترامب إلى فرض وقف إطلاق النار بصورة حاسمة، وهو ما جعل إسرائيل، بحسب وصفه، عالقة داخل “متاهة استراتيجية” لا يبدو أن الخروج منها ممكن إلا عبر اتفاق مع الحكومة اللبنانية.

وأشار إلى أن المباحثات الجارية في واشنطن تبحث انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من مناطق في جنوب لبنان مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها تحت إشراف أمريكي، على أن يتوسع الانسحاب إذا أثبت الجيش اللبناني قدرته على تفكيك بنى حزب الله ومنع عودته.

إلا أن الكاتب لفت إلى أن التجربة السابقة بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لم تحقق النتائج المرجوة، إذ بقي أداء الجيش اللبناني محدوداً، في وقت تغيّر فيه ميزان القوى بعدما استعادت إيران نفوذها وأصبحت قادرة على التأثير في مسار الأحداث داخل لبنان.

كما عبّر ليمور عن قلقه من تحسن العلاقات بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولا سيما في ظل الحديث عن احتمال إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات “إف-35”، معتبراً أن ذلك قد يضعف التفوق العسكري الإسرائيلي ويمنح أنقرة مكانة أكبر داخل التحالف الأمريكي.

وفي ما يتعلق بالخيارات المطروحة أمام إسرائيل في جنوب لبنان، رأى الكاتب أن البقاء العسكري يوفّر حماية للبلدات الحدودية لكنه يعرّض القوات للاستنزاف ويقوّض شرعية إسرائيل الدولية، بينما يسمح الانسحاب لحزب الله بإعادة بناء وجوده تدريجياً، الأمر الذي يجعل خيار الانسحاب التدريجي بالتنسيق مع الولايات المتحدة أقل الخيارات سوءاً، رغم استمرار الشكوك بشأن نتائجه الأمنية.

وفي ختام مقاله، اعتبر ليمور أن الحرب الأخيرة كشفت غياب التخطيط الاستراتيجي العميق داخل إسرائيل، بعدما بُنيت التوقعات على فرضية إسقاط النظام الإيراني من دون دراسة كافية لاحتمالات الفشل، مؤكداً أن التجربة أبرزت الحاجة إلى عمل مؤسساتي منظم وإفساح المجال أمام الآراء المختلفة في عملية صنع القرار