النجاح الإخباري - عبد الرحمن باهيثم

كاتب سعودي متخصص في العلوم المالية والمصرفية

كم مرة ذُكر لك أن الذكاء الاصطناعي سيكتسح سوق العمل، وأن المستقبل المهني للموظفين بات مشؤوماً بالضرورة، وقد يسرد لك بعد ذلك فضائل الاشتراكية كحل لمشكلة لا تعدو كونها أضغان أحلام؟ غير أن رأيي الشخصي، والأرقام التي خرجت من كبرى بيوت الاستشارات ومن شركات الذكاء الاصطناعي نفسها خلال عام 2025 ومطلع 2026، تروي حكايةً مختلفة تماماً، مفادها أن الاستبدال ليس خياراً متاحاً اقتصادياً ولا اجتماعياً، بل يتخطى ذلك لكونه يقترب من الاستحالة علمياً (وأقصد بعلمياً هنا العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء وعلوم الأرض).

تسقط هذه الادعاءات في فخ أسميته فخ المقامر، حيث إن المقامر يجني مكاسب فورية لإطاحته بأكبر الخسائر لاحقاً، وهنا المكاسب من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كبديل للإنسان تظهر فوراً بينما تظهر الكلفة لاحقاً؛ فالشركة تخفض الرواتب فيبدو ميزانها رابحاً في الربع الأول، ثم تتوالى الفواتير المؤجلة من تدهور الجودة وفقدان العملاء وكلفة الصيانة والتكامل وأخيراً كلفة التراجع عن القرار نفسه. ولعل أوضح دليل على ذلك دراسة صدرت عن مبادرة NANDA في معهد ماساتشوستس للتقنية بعنوان «الانقسام التوليدي: حالة الذكاء الاصطناعي في الأعمال 2025»، وقد وجدت أن نحو 95% من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي في الشركات لم تحقق أي أثر مالي ملموس على الأرباح، وأن السبب تنظيمي لا تقني، أي يكمن في صعوبة دمج النماذج داخل سير العمل، وهي صعوبة تكلف وقتاً ومالاً لا يُلقى لهما بال عند اتخاذ القرار، ويتقاطع هذا مع المسح السنوي لشركة ماكنزي الذي شمل قرابة 2000 مؤسسة، وخلص إلى أن أكثر من 80% من المؤسسات لم ترَ أي أثر مالي ملموس على مستوى المنشأة رغم أن تبني الأدوات بات شبه شامل، وأن من حققوا أثراً مالياً جوهرياً لم تتجاوز نسبتهم نحو 6% فقط، وهو ما يعني أن الاستخدام واسع، لكن تحويله إلى أداة إيراد أمر نادر.

وفي قصة قد تشرح ما يعجز التنظير عن إيصاله، تجربة شركة كلارنا للدفع الآجل التي استبدلت نحو 700 موظف في خدمة العملاء بمساعد آلي وأعلنت أنه يؤدي عملهم، ثم تراجعت بعد عام واحد وعادت إلى توظيف البشر إثر تدهور رضا العملاء، حتى اعترف رئيسها التنفيذي بأن التركيز انصب على الكفاءة والكلفة فجاءت النتيجة جودة أدنى غير مستدامة، وكانت كلفة هذا التراجع من إعادة توظيف وتدريب وإعادة بناء الخبرة المؤسسية المفقودة عالية جداً، وتجاوزت تكلفة الاستبدال في بداية القصة ثم الخسائر المتكبدة من هذا الاستبدال، وهي كلفة قد لا تجد لها ذكراً في دراسة الجدوى. ولم تكن كلارنا استثناءً، فقد توقعت مؤسسة غارتنر أن نصف الشركات التي قلصت موظفي خدمة العملاء بسبب الذكاء الاصطناعي ستضطر إلى إعادة توظيفهم بحلول عام 2027، وأظهر مسح لشركتي Orgvue وForrester أن نحو 55% من الشركات التي سارعت إلى استبدال موظفيها باتت تندم على القرار بعد أن اكتشفت أن العائد الظاهر يقابله نزيف في الكواليس في صورة فقدان العملاء وتضرر السمعة، "على هامش الكتابة: شخصياً يقل احترامي للشركة التي تحيلني في كل مرة إلى نموذج غباء اصطناعي وتجبرني على المجادلة معه لحل مشكلتي"، بينما خلص مسح لشركة IBM إلى أن مشروعاً واحداً للتحول فقط من كل أربعة مشاريع يحقق العائد المرجو منه.

وأعمق من مسألة الجودة تأتي بنية الأعمال نفسها، إذ إن تكلفة تشغيل هذه النماذج مرتفعة إلى حد يجعلها غير قابلة للتغطية حتى مع توسع قاعدة العملاء، والسبب أن كل مستخدم إضافي يضيف كلفة حقيقية من طاقة وحوسبة وماء بدلاً من أن يوزع كلفة ثابتة كما في البرمجيات التقليدية. فبحسب بيانات تقاسم الإيرادات المنسوبة إلى مايكروسوفت، تتكبد شركة OpenAI ما يقارب دولارين من الكلفة مقابل كل دولار تجنيه من تشغيل النماذج، وذلك قبل احتساب البحث والتطوير والتسويق والرواتب، وقد انهار هامش ربحها المعدل بعد أن تضاعفت كلفة التشغيل أربع مرات في عام واحد، حتى سجلت خسائر تقدر بنحو 13.5 مليار دولار في النصف الأول من 2025 وحده، مع توقعات بألا تبلغ التدفقات النقدية الموجبة قبل نهاية العقد. والأهم من ذلك أن اتساع قاعدة المستخدمين لم يُصلح المعادلة، فمع تجاوز ChatGPT 900 مليون مستخدم أسبوعي لا يدفع منهم سوى نحو 5%، بل أقر رئيس الشركة نفسه بأنها تخسر على اشتراكها الأغلى لأن المستخدمين يستهلكونه أكثر من المتوقع، وحين عجزت الاشتراكات عن تغطية الكلفة بدأت الشركة بعرض الإعلانات في نسختها المجانية، وهي أعراض نموذج مالي ما يزال مدعوماً برأس المال المُخاطر لا أعراض شركة تقترب من استبدال قوى العمل بربحية.

والبرهان الأوضح على أن الكلفة لا تتوسع هو أن المزودين أنفسهم بدأوا يقننون الاستخدام، فقد فرضت شركة Anthropic في صيف 2025 حدوداً أسبوعية على أداتها البرمجية، معلنة صراحة أن هدفها ضبط الكلفة التشغيلية وإبقاء الخدمة مستدامة، ووصل الأمر إلى دعوى قضائية تزعم أن الاستخدام الفعلي في الباقات الأعلى أقل بكثير من المعلن عنه. والدلالة جوهرية، لأن النظام إن عجز عن خدمة بضعة آلاف من المستخدمين كثيفي الاستهلاك بربحية اليوم، فكيف يُتوقع أن يحل محل ملايين الموظفين الذين سيستهلكون النماذج بكثافة مماثلة طوال يوم العمل؟ وخلف هذه التكلفة المالية يقف سقف فيزيائي وجيولوجي من موارد طبيعية محدودة، فبحسب الوكالة الدولية للطاقة يُتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء عالمياً ليقارب 945 تيراواط ساعة بحلول 2030 بنمو سنوي أسرع بأربعة أضعاف من سائر القطاعات. ومع أن هذه تبقى نحو ثلاثة بالمئة فقط من كهرباء العالم، وهنا يجب توخي الدقة، فإن القيد الحقيقي في سرعة النمو وتركزه واختناقات الإمداد، إذ تقدر الوكالة أن 20% من المشاريع المخططة مهددة بالتأخير بسبب إجهاد الشبكات التي يستغرق بناء خطوطها من أربع إلى ثماني سنوات، فيما تتشدد سلاسل توريد الرقائق والمحولات وتوربينات الغاز، ويتصاعد استهلاك المعالج الواحد من نحو 400 واط قبل أعوام إلى ما يقارب 1200 اليوم. أما الماء، سلسبيل الشات بوت وترياقه، فيمثل القيد الأشد إلحاحاً محلياً، إذ تقدر بصمة مراكز البيانات الأمريكية غير المباشرة منه بنحو 211 مليار غالون عام 2023، ويستهلك كل طلب من نحو مئة كلمة ما يقارب نصف لتر بحسب باحثي جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، والأخطر أن ثلثي المشاريع المخططة في الولايات المتحدة تقع في مناطق تعاني شح المياه، ففي ولاية تكساس وحدها يُتوقع أن يقفز الاستهلاك من نحو 49 مليار غالون في 2025 إلى ما يصل إلى 399 مليار غالون في 2030، وهكذا فإن كل عميل جديد لا يخفف الأزمة بل يفاقمها.

وهنا يبرز البعد الأعمق الذي يغفله أصحاب سردية الاستبدال، وهو أن القوة العاملة ليست بنداً في جدول مصروفات يُحذف، بل عمود يقوم عليه الاقتصاد بأكمله، وعلى رأسها الطبقة الوسطى التي تشكل محرك الطلب الاستهلاكي. فالموظف الذي تستبدله الشركة هو نفسه المستهلك الذي يشتري منتجاتها وخدماتها، والموظفون الذين يُسرّحون كانوا يصرفون رواتبهم على السكن والغذاء والسيارات والاشتراكات والترفيه، فإذا أُلغيت دخولهم أُلغِي معها السوق الذي تعيش عليه الشركة نفسها. وقد صاغ اقتصاديون هذه المفارقة في صورة شبه رياضية، فبحث محكّم صادر في مارس 2026 عن باحثين من كلية وارتن وجامعة بوسطن بعنوان «فخ التسريح بالذكاء الاصطناعي» خلص إلى أن حوافز السوق التنافسية ستدفع الشركات إلى سباق أتمتة متطرف تُفنَى به في النهاية الطلب الذي تقوم عليه، حتى تبلغ حداً تنتج فيه إنتاجية بلا حدود مقابل طلب يساوي صفراً. ويحذّر اقتصادي جامعة شيكاغو ألكس إيماس، الذي توصي مورغان ستانلي بمتابعته مرجعاً في هذا الملف، من أن انهيار حصة الأجور يعني أن من يملكون المال من أصحاب رأس المال يكونون قد أشبعوا حاجاتهم بينما يعجز المستبدلون عن الشراء فينهار الطلب ويتقلص الاقتصاد، وهو ما تؤكده ورقة بحثية لمعهد IZA ترى أن استبدال العمالة الماهرة قد يُضعف الطلب على السلع واسعة الاستهلاك ويزعزع الطبقة الرأسمالية ذاتها التي تعتمد على مجتمع الاستهلاك. والمسألة ليست تجريدية، فكل وظيفة من وظائف الطبقة الوسطى تُزيل من الاقتصاد ما يقارب 75 إلى 150 ألف دولار من الإنفاق الاستهلاكي السنوي، وهذا الإنفاق هو ما يُشغّل المطاعم والمتاجر وقطاعات الخدمات، فحين يفقد الموظفون قدرتهم الشرائية يرتد الأثر سلباً عبر ما يسميه الاقتصاديون المضاعف السالب ليطال الشركات التي ظنت أنها وفرت برواتبهم. وفوق ذلك فإن هذه الطبقة بالذات يصعب استبدالها لأن عملها يقوم على معرفة ضمنية وحكم وتعاطف ومسؤولية وعلاقات وثقة، وهي بالضبط ما عجز عنه نموذج كلارنا حين فشل في الحالات المعقدة التي تتطلب لمسة إنسانية، فالشركة لا تخسر يداً عاملة فحسب، بل تخسر زبوناً وتخسر جودة وتخسر سوقاً في آن واحد.

ولعل المفارقة أن المصادر التي تُتّهم عادة بالترويج للذكاء الاصطناعي هي ذاتها التي تدحض سردية الاستبدال الشامل، فدراسة معهد ماساتشوستس لم تجد دليلاً على موجة تسريح جماعي مرتبطة بالتقنية، بل رصدت تآكلاً ناعماً يتمثل في عدم شغل بعض الوظائف عند خلوها، ومسح ماكنزي أظهر تبايناً لا إجماعاً، إذ يتوقع ثلث المؤسسات انخفاضاً في العدد بينما لا تتوقع الأغلبية تغييراً أو تتوقع زيادة. والنمط المتكرر عبر الصناعة هو أن النموذج الهجين الذي يتولى فيه الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية ويتولى فيه البشر الحالات المعقدة يتفوق باستمرار على الاستبدال الكامل، فالذكاء الاصطناعي بهذا المعنى أداة تلغي مهام وترفع قيمة الأدوار لا بديلاً عن الموظف. وأمانةً لك حبيبي القارئ ينبغي الإقرار بأن هذه الحجة ليست مطلقة، فالكلفة الوحدوية آخذة في الانخفاض السريع مع تحسن الرقائق والنماذج وقد أثبتت نماذج إمكانية التشغيل بكلفة أقل بعشرات المرات، كما أن سبب فشل المشاريع تنظيمي بالأساس، ما يعني أن من يُحسن الدمج قد يجني عوائد حقيقية، ولذلك فإن الصياغة الأدق ليست أن الذكاء الاصطناعي لن يمس أي وظيفة على الإطلاق، بل إنه وفق الاقتصاد والموارد ومسار التبني الحالي ليس بديلاً شاملاً ومباشراً للموظفين. تم البحث في موضوع هذا المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وأود أن أشكره لأني أتعبته معي، تسلم حبيبي Claude.