النجاح الإخباري - في مقال ترجمه "النجاح الإخباري"، يجادل جاكوب هيلبرغ، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية، بأن توجه بعض الدول نحو بناء منظومات وطنية مستقلة للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى هدر الموارد وإبطاء وتيرة الابتكار، داعياً إلى ما يسميه "سيادة الابتكار" بدلاً من "السيادة الرقمية".

كتب جاكوب:

في السنوات الأخيرة، أصبحت عبارة “السيادة الرقمية” من أكثر المصطلحات رواجاً في الأوساط الحكومية حول العالم. فهي تحمل في طياتها معاني الاستقلال والقدرة على تقرير المصير والتحكم بالمستقبل الوطني، الأمر الذي جعلها محوراً لجدل سياسي متسارع الانتشار. ويرى كثيرون أن الأمم المتحدة أصبحت أبرز المروجين لهذا التوجه.

فمن خلال “الميثاق الرقمي العالمي” والمبادرات والتمويلات المرتبطة به، تدفع المنظمة الدولية نحو عالم تمتلك فيه كل دولة الحد الأدنى من مقومات الذكاء الاصطناعي: حواسيبها الخاصة، وبياناتها الخاصة، ونماذجها الخاصة المطورة محلياً والمملوكة محلياً. كما يجري العمل على إنشاء صندوق بمليارات الدولارات للمساعدة في تمويل هذه البنية التحتية، بينما تتسابق حكومات عديدة إلى إعداد استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي تقوم على إعادة بناء منظومات تقنية موجودة بالفعل في أماكن أخرى من العالم. لكن هذا التصور، رغم جاذبيته السياسية، يمثل في رأيي توجهاً رجعياً وغير منتج.

الابتكار لا التقليد

لقد بنى قادة وادي السيليكون ثرواتهم على فكرة تتعارض مع الحكمة الصناعية التقليدية: المنافسة على المنتجات والخدمات القائمة ليست دائماً محرك الازدهار، بل قد تتحول إلى طريق يؤدي إلى الركود. فالشركة التي تقلد منتجاً موجوداً تدخل سوقاً مزدحمة بعشرات المنافسين الذين يقدمون الشيء نفسه، فتتآكل أرباحها تدريجياً. أما الشركة التي تبتكر شيئاً جديداً بالكامل، فإنها تخلق سوقاً جديدة وتحتفظ بالعوائد الناتجة عنها. بمعنى آخر، المبتكر ينتقل من “الصفر إلى الواحد”، بينما المقلد يقتسم سوقاً قائمة مع الآخرين. والثروة الحقيقية لا يصنعها إلا المبتكرون.

عندما تتحول الدول إلى مقلدين ينطبق المنطق ذاته على الدول. فحين تعلن عشرات الحكومات أنها ستبني “سحابة وطنية” أو “نموذج ذكاء اصطناعي وطنياً” أو “بطلاً قومياً” خاصاً بها، فإنها في الواقع تستثمر مليارات الدولارات لإعادة إنتاج ما تفعله دول أخرى بالفعل. والنتيجة ليست سيادة رقمية حقيقية، بل ما يمكن وصفه بـ”الرداءة المتزامنة”؛ عالم من النسخ المتشابهة التي تنفق موارد ضخمة لإعادة بناء اختراقات تقنية تحققت بالأمس، بينما يستمر الابتكار الحقيقي في التقدم إلى الأمام.

أمريكا تبتكر المستقبل

وبينما تنشغل بعض الدول بإعادة إنتاج الحاضر، ستواصل الشركات الأمريكية بناء المستقبل، وفق هيلبرغ. فهي لا تدافع عن منصات الأمس، بل تطور منصات الغد ومنتجات لم تُخترع بعد، وهي المنتجات التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل. ولهذا السبب تحافظ الشركات الرائدة على أعلى معدلات الربحية وأكبر التقييمات السوقية، ليس بسبب الحظ، بل لأنها تقود حدود الابتكار بدلاً من ملاحقتها.

السيادة الحقيقية هي “سيادة الابتكار”

ويجادل الكاتب بأن السيادة الرقمية لا تتحقق عبر القدرة على إعادة إنتاج التقنيات القائمة، فالكثير من الدول تستطيع فعل ذلك. بل تتحقق عبر القدرة على المساهمة في ابتكارات المستقبل. ويسمي هذا المفهوم “سيادة الابتكار”، أي القدرة على خلق ما لم يكن موجوداً من قبل، بدلاً من نسخ ما هو قائم بالفعل.

فالدولة التي تركز على الاكتفاء الذاتي التقني فقط تقضي سنوات في إعادة بناء ما أنجزه الآخرون، بينما الدولة المبتكرة تستثمر في تطوير ما لم يطوره أحد بعد.

درس شبكة الجيل الخامس

ويستشهد هيلبرغ بتجربة الولايات المتحدة مع شبكات الجيل الخامس (5G). فعندما انتقل العالم إلى هذه التقنية، لم تمتلك واشنطن شركة وطنية رائدة لصناعة معدات الشبكات الأساسية. وكان بإمكانها إنفاق مليارات الدولارات لإنشاء شركة محلية من الصفر تحت شعار “السيادة الرقمية”، لكنها اختارت مساراً مختلفاً.

فقد اشترت المعدات من حلفاء موثوقين، بينما ركزت الشركات الأمريكية على تطوير طبقات أعلى قيمة مضافة، مثل الحوسبة السحابية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. وبذلك، لم تفز الولايات المتحدة عبر تصنيع الهوائيات والمحطات القاعدية، بل عبر بناء التقنيات والخدمات التي تعمل فوقها.

“باكس سيليكا” وتحالف القدرات

ويطرح الكاتب مفهوم “باكس سيليكا” (Pax Silica)، وهي مبادرة تقوم على بناء تحالف بين الدول والشركات الموثوقة للاستفادة من المزايا النسبية لكل طرف. فقد توفر دولة القدرة الحاسوبية، وأخرى المعادن النادرة، وثالثة المواهب البشرية، ورابعة رأس المال، لتكون النتيجة مضاعفة للقدرات وليست مجرد جمع لها.

ويرى أن التعاون بين الشركاء الموثوقين أكثر فعالية من محاولة كل دولة بناء منظومة مكتفية ذاتياً داخل حدودها.

النظم البيئية أهم من النماذج

ويشير هيلبرغ إلى أن الرئيس التنفيذي لشركة ساتيا ناديلا أكد مؤخراً أن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي متقدم فحسب، بل في بناء نظام بيئي متكامل يسمح بانتشار الفوائد الاقتصادية عبر مختلف الشركات والقطاعات. فما يميز دولة عن أخرى ليس امتلاك نموذج قد يصبح قديماً خلال عام واحد، بل امتلاك “حلقة التعلم” الخاصة بها؛ أي تراكم المعرفة والخبرات والمؤسسات ورأس المال البشري والتقني القادر على تحويل التجارب إلى مزايا تنافسية مستدامة.

ويختتم هيلبرغ مقاله بالقول إن أنصار السيادة الرقمية يعتقدون أنهم يجهزون دولهم للمستقبل، لكنهم في الواقع قد يقودونها نحو الماضي. فالسيادة الرقمية، برأيه، ليست جداراً يُبنى حول الدولة، وليست نسخة مكررة من إنجازات الآخرين، بل هي القدرة على التقدم نحو حدود الابتكار الجديدة باستمرار.

ويضيف أن الدول التي ستحقق السيادة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تمتلك الجرأة على ابتكار ما لم يبتكره أحد بعد، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج ما هو موجود بالفعل.