النجاح الإخباري - غازي مرتجى
غازي مرتجى - باحث دكتوراه في علوم الإعلام والذكاء الاصطناعي
… أين نقف؟
نحن، لأسباب كثيرة — ليس آخرها تجفيف الأموال الفلسطينية بنهب المقاصة من قبل الاحتلال — لم نفكّر بعد حتى في نووي الدول الحالي: معامل تدريب النماذج، وسيرفرات حفظ البيانات الوطنية.
الداتا أصبحت "نفط العالم الجديد" كل دولة، صغيرة أو كبيرة، تعمل اليوم على حفظ معلوماتها في بنى محمية، وتدريب نماذج كبرى عليها. معلوماتنا نحن، بالمقابل، مفتوحة المصدر لكل النماذج كي تتدرّب عليها، دون إذن، ودون مقابل، ودون وعي بأن من يدرّب عقله على بياناتك، يملك مفتاحًا لعقل أحفادك.
حدثني صديق لي يملك تطبيقًا معروفا للجميع ويستخدمه محبو القراءة , أن "جوجل" طلبت التسجيلات الصوتية للكتب التي سجلوها وللمصادفة كانت مكتوبة بالتشكيل والصياغة العربية الأصيلة فزاد سعر هذه الداتا بطريقة ملحوظة .. قال لي أنهم دفعوا 8 ملايين دولار مقابل هذه الداتا .. نحن من جهتنا نتطوع بارسال الداتا دون دراية أو فهم إلى النماذج اللغوية الكبرى التي تحصل عليها وتتدرب عليها بدون مقابل ..
المطلوب فلسطينيًا
أتمنى أن تصل هذه الرسالة إلى الرئيس أبو مازن وإلى الجهات المعنية. الأمر تجاوز مرحلة "الطفرة"، وأصبح جزءًا من بنية المستقبل القريب.
أولًا، تشكيل جسم رسمي متخصص. ليكن "هيئة الابتكار والذكاء الاصطناعي"، بصفة قانونية وموارد فعلية. دور الهيئة محوران متوازيان: التنسيق لرقمنة وأتمتة الحكومة، وحفظ السيادة الفلسطينية على البيانات بكل ما يتطلبه ذلك من تكاليف. هذه الهيئة تكون الجهة الرسمية المعتمدة لوقف محاولات بعض الدول للسيطرة على الداتا الفلسطينية.
ربما يستغرب الجسم القيادي من التوجهات الحالية , فقد تواصلت معي شخصيًا جهات تحاول تصميم وتمويل نماذج تدريب على المعلومات الفلسطينية، بهدف السيطرة على العقل الفلسطيني لأجيال قادمة وربما تغيير وتعديل اتجاه السردية الفلسطينية .. اتحدث عن جهات محبة للفلسطينيين وأخرى تحاول السيطرة! . لا أعتقد أن خطورة هذا الأمر وصلت بعد إلى دوائر القرار الفلسطيني. لو وصلت، لكان لدينا قرار سيادي اليوم ..
ثانيًا: سنّ قانون يجرّم تدريب الداتا الفلسطينية في أي جهة عدا الفلسطينية، بعد تشكيل الهيئة.
ثالثًا: البدء بتعديل المناهج لتتناسب مع التطور الذكي الهائل , لدى وزارة التربية والتعليم محاولات جيدة بهذا الخصوص لكنها لا ترتقي حتى الان لمنهاج واضح ومستدام .
رابعًا: يجب وضع مخططات اقتصادية واضحة المعالم حتى لا تضطر الدولة الفلسطينية لاستنساخ نماذج وتجارب دول وجهات أخرى ... فلتكن هي المبادر
في لقاء حضرته مؤخرًا، تحدّث عميد كلية الطب السابق في جامعة النجاح بكلام قليلًا ما يُقال علنًا، قال إن التقنية في الماضي كانت تصلنا متأخرة. عقود تأخر أحيانًا. كنّا، في بعض الحالات الطبية، مضطرين لاستخدام التقنية الإسرائيلية لأنها الأقرب جغرافيًا وزمنيًا. لم يكن أمامنا خيار آخر. اليوم، الصورة انقلبت بالكامل. "التقنية باتت مكشوفة للجميع. من يحضر لقاءً أو حلقة على يوتيوب، يستطيع أن يصبح عارفًا بتفاصيل التقنيات المطلوبة. صرنا في النجاح كما هارفرد، تصلنا التطورات في اللحظة ذاتها. بل نحن نتفوق عليهم، لأن قوانين استخدام التقنية لدينا حتى الآن صفرية، فيما لديهم قوانين تكبّل بعض ما يفعلونه."
ربما نفتقد كفلسطينيين التفكير كدولة أو حتى شبه دولة , لكن العالم القادم يُرسم بطريقة تجعل أي تحالف تقني قوي يؤسس دولة وربما يكون أقوى! إجمالي ناتج مستثمري الذكاء الاصطناعي يفوق ناتج كثير من الدول! لذلك الاهتمام بالذكاء الاصطناعي بات ضرورة لا غنى عنها .
أخيرًا .. نحن الفلسطينيين أكثر الجهات التي تحتاج للتفكير في سردية قضيتها ومنع التلاعب بها , وكذلك نحتاج أساسات سيادتنا كدولة .. هذا الأمر قد يساعد فيه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بطريقة تجعل الفلسطيني قادرًا على المنافسة من جهة والبقاء في التاريخ بعد أن سلبت المستوطنات الجغرافيا!
ليمينال — الفرق بين من يعرف ومن يسأل
الذكاء الاصطناعي منح الجميع القدرة على الحصول على إجابة. لكنه لم يمنح الجميع القدرة على معرفة أي سؤال يستحق أن يُطرح.
هذا هو الفارق الحقيقي الذي لا تراه الأرقام بعد, جيل يثق بإجابات لا يملك الخلفية الكافية لتقييمها، ومؤسسات تتخذ قرارات مبنية على مخرجات لا تفهم كيف وُلدت. الخطر ليس أن الآلة ستحل محلك، الخطر أن تتوهم أنك تتحكم بها بينما هي في الحقيقة تشكّل طريقة تفكيرك.
في ليمينال نؤمن أن الأداة القوية بيد من لا يفهمها ليست ميزة, بل مخاطرة مؤجلة. لهذا لا نكتفي ببناء الأنظمة، نبني القدرة على فهمها. لأن المؤسسة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي دون أن تفهم منطقه، تسلّم قرارها لصندوق أسود لن تعرف متى يخطئ.
الخبرة الحقيقية اليوم ليست من يجيد الأسئلة, بل من يعرف متى لا يثق بالجواب.
تفسير تقني للمهتمين حسب (claude) – لا تخضع لتعديلات أو تدخلات بشرية
أولًا — صفقة الـ8 ملايين دولار: الرقم مرتفع لكنه واقعي تمامًا. الصوت العربي عالي الجودة، المُشكَّل والمكتوب بصياغة أصيلة، نادر جدًا في بيانات تدريب النماذج العالمية. أسعار البيانات الصوتية المتخصصة لسدّ فجوات لغوية كبرى تتراوح بين 500 و2000 دولار للساعة الواحدة. 8 ملايين دولار تعادل عدة آلاف من الساعات — صفقة عادلة، بل قد يكون صاحبها باعها بأقل من قيمتها الحقيقية.
ثانيًا — "السيادة على البيانات" تقنيًا: الفكرة قابلة للتنفيذ، تتطلب أربعة محاور: توطين البيانات (Data Localization) على سيرفرات فلسطينية، سحابة سيادية (Sovereign Cloud) للتدريب، التعلّم الموزّع (Federated Learning) الذي يسمح بالتدريب دون نقل البيانات، والعلامات المائية الرقمية (Watermarking) التي تجعل أي نموذج تدرّب على بيانات فلسطينية قابلًا للكشف. ليست خيالًا تقنيًا، بل ممارسات قائمة في الاتحاد الأوروبي والصين والهند.
ثالثًا — "صفرية القوانين" كميزة: الميزة موجودة، لكنّ هناك عاملًا معاكسًا لم يذكره العميد: القدرة الحاسوبية. هارفرد تملك آلاف وحدات H100 من NVIDIA عبر شراكات مع OpenAI ومايكروسوفت. النجاح، وكل الجامعات الفلسطينية، قدرتها الحاسوبية أصغر بمئات المرات. أمامنا تكافؤ في الوصول إلى المعرفة، لا في الوصول إلى البنية التحتية. النافذة موجودة (3-5 سنوات قبل أن تصلنا تشريعات مماثلة لقانون الاتحاد الأوروبي 2024)، لكنها تتطلب استثمارًا في البنية، لا في المعرفة فقط.
رابعًا — "التحالف التقني كدولة": الملاحظة دقيقة بنيويًا، لا بلاغية. القيمة السوقية لـNVIDIA اليوم تقارب الناتج المحلي للبرازيل. تقييم OpenAI يفوق الناتج المحلي لمعظم دول الاتحاد الأوروبي الصغيرة. هذه الشركات تملك أكثر من 90% من الدول العربية ميزانيةً واحتياطًا نقديًا. تحالف فلسطيني/عربي مع إحدى هذه الشركات، شراكةً أو ضدًّا، قد يكون أكثر تأثيرًا من اتفاقيات دولية كاملة.
للاطلاع على سلسلة المقالات:
الذكاء الاصطناعي والموظف: تفنيش أم بقاء؟
https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/08/559667/
هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عقل الصحفي؟ سؤال فلسفي مزعج
https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/02/559078/
الذكاء الاصطناعي تهديد وجودي للنمط الصحفي السائد؟
https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/01/559001/
المراسل الافتراضي: تجربتنا في بناء صحفي لم يولد
https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/03/559202/
تفكير ترمب: المستقبل
https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/08/559677/