النجاح الإخباري -  د. ياسر أبو بكر
ليست كل قراءة قلقة لمستقبل فتح عداءً لها، وليست كل مقالة متشائمة بلا أساس. في السياسة، الخطر لا يكمن في النقد، بل في تحويل النقد إلى نبوءة جاهزة، كأن الحركة التي صنعت جزءا كبيرا من التاريخ الوطني الفلسطيني لم تعد قادرة إلا على التراجع أو الانشقاق أو التحلل. وهذا تقدير متعجل، لأنه يقرأ مظاهر الأزمة، لكنه لا يقرأ عمق البنية الفتحاوية ولا قدرتها التاريخية على امتصاص الصدمات والعودة من حافة الانكسار.

انعقاد المؤتمر الثامن بحد ذاته ليس تفصيلًا إداريا. في زمن الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وفي ظل الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الثقة العامة، وضغط الإقليم والعالم، يصبح مجرد انتظام المؤسسة حدثا سياسيا لا يجوز التقليل من قيمته. فالحركات التي لا تعقد مؤتمراتها تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة، أما الحركات التي تجازف بعقد مؤتمراتها، حتى وسط النقد والاحتجاج والتباين، فهي ما تزال تمتلك قابلية الحياة.

نعم، لم يكن المؤتمر مثالياً. ولا يجوز التعامل مع الملاحظات التي رافقته بمنطق الدفاع الأعمى. هناك أسئلة مشروعة حول التمثيل، وحول من غاب ومن حضر، وحول شعور قطاعات فتحاوية بأن حضورها التاريخي أو الفكري أو التنظيمي لم يترجم بما يكفي في المخرجات. وهناك قلق حقيقي من أن تتحول الانتخابات الداخلية إلى ميزان نفوذ لا إلى ميزان كفاءة، ومن أن تتقدم الحسابات المناطقية والشخصية على الحاجة إلى إنتاج عقل سياسي جديد للحركة.

لكن بين الاعتراف بهذه المخاوف وبين إعلان وفاة فتح مسافة كبيرة. فتح ليست حزبا عاديا نشأ حول برنامج انتخابي محدود، بل حركة وطنية واسعة، حملت داخلها منذ البداية تناقضات المجتمع الفلسطيني كله: الداخل والخارج، البندقية والسياسة، المخيم والمدينة، التنظيم والسلطة، التاريخ والمستقبل. لذلك كانت أزماتها دائمًا أكبر من أزمات الأحزاب، لكنها كانت أيضًا أقدر من غيرها على البقاء لأنها ليست مجرد جهاز، بل ذاكرة شعبية وشبكة انتماء وطنية عميقة.

المقالات المتشائمة تصيب حين تحذر من خطر التآكل الداخلي، لكنها تخطئ حين تتعامل مع التململ وكأنه انشقاق ناجز. الانشقاق لا يولد من الغضب وحده. الانشقاق يحتاج إلى: ( قيادة بديلة، وقاعدة منظمة، وتمويل، وسند إقليمي، وخطاب سياسي قادر على إقناع الناس بأن الخروج من المركز أكثر جدوى من إصلاحه ). وهذه العناصر ليست مكتملة اليوم، لكنها قد تتشكل إذا أُهملت الجروح، وإذا جرى التعامل مع المعترضين باعتبارهم عبئا لا رصيدًا، أو مع المختلفين باعتبارهم خصومًا لا شركاء في البيت نفسه.

المطلوب اليوم ليس الاحتفال بالمؤتمر كأنه أنجز كل شيء، ولا جلد الذات كأن المؤتمر لم ينجز شيئًا. المطلوب قراءة مركبة: انعقاد المؤتمر كان ضرورة وطنية وتنظيمية، لكنه ليس نهاية الأزمة. هو بداية امتحان جديد. فإذا بقيت مخرجاته حبيسة الأسماء والمواقع، سنكون أمام إعادة إنتاج للمشكلة. أما إذا تحول إلى لحظة مراجعة عميقة، فقد يصبح مدخلًا لإعادة بناء الحركة على قاعدة أكثر وضوحًا وصرامة وانفتاحًا.

في هذا السياق، يقع العبء الأكبر على المجلس الثوري الجديد. فالمجلس الثوري ليس جائزة ترضية، ولا قاعة تصفيق، ولا إطارًا بروتوكولياً ينتظر دعوات الاجتماعات. إنه برلمان الحركة وضميرها الرقابي والسياسي. وإذا أراد أن يكون بمستوى اللحظة، فعليه أن يمارس دوره في مراقبة الأداء، وفتح النقاش الحقيقي، ومساءلة المفوضيات، وصوغ مراجعة تنظيمية شاملة، وإعادة وصل الحركة بقواعدها في الأقاليم والمخيمات والشتات والجامعات والنقابات. المجلس الثوري الجديد يستطيع أن يكون جسرًا بين القيادة والقاعدة، أو أن يتحول إلى شاهد صامت على اتساع الفجوة. والفرق بين الدورين هو الفرق بين حركة تتجدد وحركة تكتفي بإدارة الزمن.

إن الخطر الأكبر على فتح اليوم ليس وجود منتقدين، بل غياب آلية لاستيعاب النقد. وليس الخطر أن يخسر بعض القادة مواقعهم، بل أن يشعر من خسر بأنه خرج من الحركة لا من موقع انتخابي. وليس الخطر أن تظهر تيارات وتباينات، فهذه طبيعة الحركات الكبرى، بل أن تتحول هذه التباينات إلى جزر مغلقة تبحث عن سند خارج البيت الفتحاوي.

لذلك تحتاج فتح بعد المؤتمر إلى ثلاث خطوات واضحة: مصالحة فتحاوية داخلية لا تقوم على المجاملة بل على الاعتراف المتبادل. مجلس استشاري وخلية تفكير استراتيجية تضم العقول والخبرات التي غابت أو أُبعدت أو لم تجد موقعها. وبرنامج سياسي وتنظيمي يجيب بصراحة عن سؤال المرحلة: ما وظيفة فتح اليوم؟ هل هي حزب سلطة فقط؟ أم حركة تحرر وطني تجدد أدواتها داخل واقع سياسي شديد القسوة؟

فتح قادرة على لملمة نفسها، ليس لأنها بلا أزمات، بل لأنها عاشت أزمات أكبر وبقيت. لكنها هذه المرة لا تحتاج إلى ترميم سطحي، بل إلى مراجعة جذرية تعيد تعريف ذاتها:

حركة وطنية ديمقراطية، واسعة، عاقلة، مقاومة سياسيا وشعبيا، قادرة على استيعاب أبنائها لا طردهم إلى الهوامش، وعلى إنتاج قيادة لا تكتفي بالشرعية التاريخية بل تصنع شرعية الأداء.

المؤتمر الثامن يجب ألا يكون خاتمة نقاش، بل افتتاح ورشة إنقاذ. وفتح، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف وشجاعة الإصلاح معًا، تستطيع أن تحول القلق الراهن من نذير انشقاق إلى فرصة تجدد. أما تجاهل الأسئلة الصعبة، فهو الطريق الأقصر إلى تحويل النقد إلى تيارات، والتيارات إلى أطر، والأطر إلى انشقاقات.

فتح اليوم ليست أمام نبوءة سقوط. هي أمام لحظة اختبار. ومن يعرف تاريخ هذه الحركة يدرك أنها لا تموت حين تختلف، بل تضعف حين تكابر. وقوتها القادمة لن تأتي من إنكار الجروح، بل من القدرة على فتحها أمام ضوء المراجعة، ثم خياطتها بخيط وطني جامع، قبل أن تتحول الندوب إلى حدود فاصلة داخل الجسد الواحد.