النجاح الإخباري - غازي مرتجى

النمط الصحفي السائد في عالمنا العربي اليوم  هو نمط على وشك الانهيار. والذكاء الاصطناعي ليس سبب الانهيار. هو فقط مَن يكشفه. دعني أصف هذا النمط بوضوح، حتى يكون نقاشنا ملموسًا:

الصحفي السائد اليوم يعمل وفق منظومة: تصريح من مصدر، إعادة صياغة بسيطة، عنوان مستفز، نشر. القيمة المضافة قليلة. التحقق قليل. العمق قليل. الإنتاج محكوم بسرعة دورة الأخبار، لا بضرورة الموضوع. الأجر، في معظم المؤسسات، بائس. الاستقرار المهني محدود. والمسار الوظيفي غامض.

هذا النمط بُني على افتراض ضمني: أن الصحفي هو الوحيد القادر على إنتاج هذا النص. هذا الافتراض، في ٢٠٢٦، انهار.

ما الذي انهار، تحديدًا؟

انهار احتكار الإنتاج. النص الذي كان يحتاج إلى صحفي لإنتاجه، أصبح في متناول كل من يستخدم نموذج لغة. صفحة "أخبار" كاملة في موقع متوسط الحجم، يمكن إنتاجها يوميًا بشخص واحد ونموذج. انهار احتكار الصياغة. الصياغة الجيدة لم تعد ميزة تنافسية. النماذج تصوغ جيدًا. أحيانًا أفضل من معظم الصحفيين. الجملة الجميلة لم تعد كافية.

انهارت كذلك حصرية المنصات. لم تعد الجريدة هي المكان الوحيد للنشر. كل شخص لديه حساب، وكل حساب يستطيع البث. الصحفي الذي كان يستمد قوته من انتمائه إلى مؤسسة، صار يكتشف أن قوة المؤسسة ذاتها تتآكل. والألعن من هذا كله أن دورات وطرائق الـSEO القديمة باتت في مهب الريح وبات هذا المقال يجب أن يُكتب بالطريقة التي تقرأونها فقط لتتمكن النماذج اللغوية الكبيرة من التعرف عليه وضمه لدائرتها البليونية من المصادر ..

ماذا يبقى للصحفي، بعد كل هذه الانهيارات؟

أولًا، التحقق المهني. القدرة على فحص المعلومة، الاتصال بالمصدر، قراءة الوثيقة، استخراج الزاوية المخفية، تأكيد الخبر قبل نشره. هذه مهارة لا تُكتسب من نموذج، تُكتسب من ميدان وخبرة وسنوات. والذي يمتلكها، قيمته في زمن الذكاء الاصطناعي مضاعفة، لأن الكذب الرقمي صار أرخص، فأصبح التحقق الموثوق أنفس.

ثانيًا، الشهادة. القدرة على الذهاب إلى المكان، رؤية الحدث بعينك، نقله بضمير. نموذج اللغة لا يذهب إلى أي مكان. الصحفي الذي يذهب، يُنتج ما لا يستطيع غيره إنتاجه. الصحافة الميدانية الحقيقية لم تكن في يوم من الأيام في وضع أقوى ممّا هي عليه اليوم، رغم كل الأقوال عن "موت الصحافة".

ثالثًا، البناء السردي العميق. التحقيق الذي يستغرق شهورًا، الكتاب الصحفي، الفيلم الوثائقي، البودكاست الذي يفتح ملفًا. كل هذه أشكال ينتجها صحفي، ولا يستطيع نموذج. لأنها تتطلب حضورًا مُمتدًا لا مجرد إنتاج لحظي.

رابعًا، المسؤولية الشخصية. حين يكذب الصحفي، يُحاسب. اسمه عليه. سمعته في الميزان. هذا التعاقد الأخلاقي بين الصحفي والقارئ، شيء لا يستطيع النموذج تقديمه، لأن النموذج لا يخسر شيئًا.

الخلاصة : التمدد سيكون لاسم الصحفي على حساب اسم المؤسسة .. اسم "المُنتشر" على اسم "جهة النشر" ..

التهديد الحقيقي ليس على الصحافة، بل على نوع منها:

الصحافة الجيدة لن تموت. ستزدهر، لأنها ستصبح نادرة، وما يندر يثمن. الذي سيموت هو الصحافة المتوسطة، التي تنتج نصوصًا متوسطة لجمهور متوسط، براتب متوسط. هذه طبقة كاملة من الصحفيين والمؤسسات، ستُكتسح خلال السنوات الخمس المقبلة. ليس لأنها سيئة بالضرورة، بل لأن النموذج يستطيع تقديم نفس النص بكلفة صفر.

ما النصيحة لمن يجد نفسه في هذه الطبقة؟ نصيحتي قاسية لكنها صادقة: اصعد، أو غيّر المهنة. الصعود يعني أن تستثمر في إحدى المهارات الأربع المذكورة أعلاه. تخصص في تحقيقات لا يستطيع غيرك إنتاجها. تعمّق في موضوع لا يحسنه سواك. ابنِ علاقة بجمهور يتبعك أنت، لا المؤسسة التي توظّفك. وبالتأكيد كن عميقا في كل وسائل وأدوات الذكاء الاصطناعي ..

للمؤسسات الإعلامية:

المؤسسة الإعلامية العربية التي ستنجو، هي التي تتخذ قرارًا واضحًا اليوم: هل تنافس على الكمية أم على الجودة؟ من  يختار الكمية، عليه أن يستثمر في الذكاء الاصطناعي ويقبل تقليص فريقه البشري إلى نصف. سينجح كنشاط تجاري، لكن لن يكون له تأثير ثقافي. من يختار الجودة، عليه أن يكرّس مواده لإنتاج عمل لا يستطيع النموذج إنتاجه: تحقيقات عميقة، تغطيات ميدانية حقيقية، تحليل أصيل، صوت متميز. سيكون فريقه أصغر، لكن أقوى. وسيكون تأثيره أكبر بكثير من حجمه.

غازي مرتجى - باحث دكتوراه في علوم الإعلام والذكاء الاصطناعي

للاطلاع على المقال السابق:

الذكاء الاصطناعي والموظف: تفنيش أم بقاء؟