النجاح الإخباري - ما هي الحوسبة الكمومية؟ تقنية قد تعيد تشكيل العالم… وخبراء يوضحون

تتزايد أهمية الحوسبة الكمومية عالميًا باعتبارها واحدة من أكثر التقنيات الواعدة القادرة على إحداث تحوّل جذري في مختلف القطاعات، من الطب إلى الذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع استثمارات الشركات والمؤسسات الكبرى في تطويرها.

وجاء هذا الاهتمام في سياق منشور متداول عبر منصة "إكس"، مرفق بمقطع فيديو، يستعرض تطور هذه التقنية ودورها المحتمل في إعادة تعريف مستقبل الحوسبة كما نعرفه اليوم.

ما هي الحوسبة الكمومية؟

الحوسبة الكمومية هي نموذج متقدم من الحوسبة يعتمد على مبادئ الفيزياء الكمومية، ما يمنحها قدرة استثنائية على معالجة البيانات في بعض أنواع المشكلات المعقدة بسرعات تفوق الحواسيب التقليدية بدرجات كبيرة.

وفي هذا السياق، أوضح خبير التقنية كريستيان ويدبروك، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Xanadu Quantum Technologies Ltd، أن "الحاسوب الكمومي، رغم كونه جهازًا حاسوبيًا في النهاية، إلا أنه قادر على تنفيذ مهام محددة بسرعة تفوق الحواسيب التقليدية بشكل كبير"، مشيرًا إلى أن بعض التطبيقات قد تشهد انتقالًا في زمن المعالجة من سنوات إلى دقائق معدودة.

لكن الدكتور أنس طعمة، نائب رئيس جامعة النجاح الوطنية للابتكار والذكاء الاصطناعي، يقدم تفسيرًا أعمق للبنية الجوهرية لهذه التقنية، موضحًا أنها لا تقوم على منطق الحوسبة التقليدية (0 أو 1) فقط، بل على قوانين الفيزياء الكمومية، حيث يمكن للوحدة الأساسية أن تكون في حالتي 0 و1 في الوقت نفسه، وأن ترتبط بوحدات أخرى بطرق غير مألوفة في الحوسبة التقليدية.

ويضيف أن هذا الاختلاف الجذري يغيّر طريقة المعالجة بالكامل، إذ إن الحاسوب التقليدي يعمل بشكل خطي “خطوة بعد خطوة”، بينما الحاسوب الكمومي يجرب مسارات متعددة في الوقت نفسه ثم يتجه إلى المسار الأكثر ملاءمة للحل.

لماذا يُتوقع أن تغيّر العالم؟

تشير التقديرات إلى أن قوة الحوسبة الكمومية تكمن في قدرتها على معالجة مسائل معقدة يصعب على الحواسيب الحالية حلها، مثل:

  • اكتشاف أدوية جديدة عبر محاكاة الجزيئات بدقة

  • تصميم بطاريات أقوى وأكثر كفاءة

  • تحسين شبكات المرور والطيران وسلاسل الشحن العالمية

  • تسريع بعض نماذج الذكاء الاصطناعي

  • تطوير أو كسر بعض أنظمة التشفير المعقدة

ويؤكد الدكتور أنس طعمة أن هذه التقنية لن تؤثر على كل أنواع الحوسبة، ولن تجعل جميع البرامج أسرع، كما أنها لن تستبدل الحواسيب التقليدية أو أجهزة اللابتوب، بل ستُستخدم في نطاقات محددة جدًا تتطلب قدرات حسابية غير ممكنة بالطرق التقليدية.

ويضيف أن تأثيرها يظهر بشكل خاص في المسائل شديدة التعقيد، حيث يمكن أن يتحول زمن الحل من سنوات إلى ساعات أو دقائق، بشرط توفر أجهزة كمومية متقدمة ومستقرة.

كيف ستؤثر على حياة الناس؟

بحسب الدكتور أنس طعمة، فإن التأثير المتوقع سيكون غير مباشر لكنه واسع المدى، من خلال:

  • تسريع تطوير أدوية لعلاج السرطان والزهايمر

  • تحسين عمر وكفاءة بطاريات السيارات

  • خفض كلفة النقل عبر تحسين اللوجستيات

  • تطوير مواد أقوى وأخف وزناً

  • تحسين دقة التنبؤات المناخية والمالية

ويضرب مثالًا توضيحيًا، إذ يمكن للحوسبة الكمومية أن تختصر تجربة ملايين التركيبات الدوائية إلى محاكاة رقمية واسعة النطاق، ثم اختيار عدد محدود من الاحتمالات الواعدة فقط، ما يوفر وقتًا وتكلفة ضخمة.

تطبيقات واعدة تغيّر شكل الحياة

تشير التوقعات إلى أن الحوسبة الكمومية قد تُحدث تحولات واسعة في مجالات متعددة، أبرزها:

  • تسريع اكتشاف الأدوية

  • تطوير مواد جديدة

  • تحسين كفاءة البطاريات

  • تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي

كما تعمل شركات مثل Xanadu على تطوير أنظمة حوسبة كمومية تعتمد على الفوتونات (الضوء)، في محاولة لتجاوز بعض القيود التقنية في هذا المجال، عبر بناء أنظمة موزعة تُصنع وتُدمج في أكثر من موقع عالمي.

تحديات سياسية واقتصادية

وفي سياق متصل، تناول التقرير مخاوف مرتبطة بالسياسات التجارية العالمية، في ظل تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال فرض رسوم جمركية قد تصل إلى 100% على رقائق الحاسوب غير المصنعة داخل الولايات المتحدة.

ورأى ويدبروك أن تأثير هذه السياسات لا يزال غير محسوم، في ظل حالة من عدم اليقين في السوق العالمية، مشيرًا إلى أن بعض الشركات تعتمد على تصنيع مكونات داخل الولايات المتحدة، ما قد يخفف من أثر هذه الإجراءات عليها.

زخم استثماري غير مسبوق ومفارقة السوق

ويعكس قطاع الحوسبة الكمومية اليوم حالة من الزخم الاستثماري المتسارع، حيث سجّل سهم إحدى الشركات العاملة في هذا المجال ارتفاعًا بنحو خمسة أضعاف خلال ستة أيام فقط، ما أدى إلى قفزة لافتة في ثروة مؤسسها، الذي أصبحت قيمة حصته تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار خلال فترة قصيرة جدًا.

وتبرز في هذا السياق شركة “Xanadu” الكندية، المتخصصة في تطوير الحوسبة الكمومية المعتمدة على الضوء، وسط اهتمام متزايد من قطاع التكنولوجيا وإشارات إلى تعاونات ودعم تقني من شركات كبرى.

ورغم هذا الزخم، تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة، إذ لا تتجاوز إيرادات الشركة السنوية نحو 4.6 مليون دولار، مقابل تقييم سوقي يقدّر بحوالي 11 مليار دولار، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الواقع الحالي والتوقعات المستقبلية.

ويعلّق مراقبون على هذا التباين بأن السوق في هذا القطاع لا يراهن على الحاضر بقدر ما يراهن على المستقبل، في ظل الاعتقاد بأن الحوسبة الكمومية قد تتحول إلى إحدى الركائز الأساسية في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

سباق عالمي نحو المستقبل

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه قطاع الحوسبة الكمومية سباقًا عالميًا محمومًا بين كبرى شركات التكنولوجيا، وسط استثمارات ضخمة وتوقعات بأن تلعب هذه التقنية دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، رغم أن تطبيقاتها العملية ما تزال في مراحلها المبكرة.

وفي المحصلة، يجمع الخبراء، ومن بينهم الدكتور أنس طعمة، على أن الحوسبة الكمومية لا تمثل بديلًا للحواسيب التقليدية، بل تقنية متخصصة لمهام معقدة جدًا، قد تُحدث أثرًا عميقًا في حياة البشر بشكل غير مباشر عبر الطب والطاقة والذكاء الاصطناعي والمواد المستقبلية.

للاطلاع على مقطع الفيديو: