النجاح الإخباري - اتفاقيات أوسلو الإنتقالية والتي جرى التوقيع عليها بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال في 13 أيلول عام /1993، كانت كارثية على شعبنا بكل المقاييس، سواء لجهة فكفكة النسيجين الوطني والمجتمعي وتقسيم الأرض والشعب، أو لجهة شطب قضيتي القدس واللاجئين تحت ما يسمى بالاتفاق الانتقالي وإانتظار ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي، ويكفي أن نذكر بأن أوسلو مسؤول عن بقاء عشرات الأسرى من الداخل الفلسطيني- 48 – والقدس في سجون الاحتلال حتى الان لكون المفاوض الفلسطيني استجاب ورضخ للشرط الإسرائيلي بعدم التفاوض باسم أسرى الداخل الفلسطيني - 48 – لكونهم يحملون قسرا الجنسية الإسرائيلية وأسرى القدس يحملون الهوية الإسرائيلية الزرقاء " مقيم دائم".

أوسلو الذي وصفه بيريس، ثعلب السياسة الإسرائيلية، بأنه النصر الثاني لدولة الاحتلال بعد النكبة، البعض ظل وما زال يدافع عنه ويتوق للعودة إليه من جديد.

ولا بد من التذكير والتأكيد لمن هم أصحاب ذاكرة قصيرة ويتلاعبون بالألفاظ ويجيدون خداع الجماهير وبيعها الأوهام الكاذبة، بأن السياسة الخارجية الأمريكية تقررها الدولة الأمريكية العميقة وأصحاب الكارتيلات الاحتكارية الكبرى من مال ونفط وسلاح، وبالتالي فإن الرئيس يعبر عن هذه المصالح، وإذا تجاوزها يجري استبداله او اقالته او اغتياله.

والرئيس الأمريكي الديمقراطي بايدن قال بشكل واضح بأن ليس شرطاً أن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً، والحزبان الكبيران في أمريكا الجمهوري والديمقراطي متفقان على تفوق اسرائيل العسكري وبقائها قاعدة متقدمة لأمريكا وقوى الغرب الاستعماري في المنطقة.

الكونغرس الأمريكي شرع نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب الى القدس في 23/10/1995، والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة لدولة الاحتلال، ولكن كان يجري تأجيل عملية النقل لاعتبارات المصالح والأهداف الأمريكية في المنطقة، حتى جاء الرئيس الأمريكي المتصهين ترامب وعمل على تظهير هذا القرار بإعلان قراره عن نقل السفارة في 6/12/2017، والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال في 14/5/2018،الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين.

مع عودة الديمقراطيين للحكم في أمريكا تجري محاولات ومراجعات للسياسة الأمريكية الخارجية من اجل إعادة تعويم مسار التسوية على الجبهة الفلسطينية- الإسرائيلية ومحاولة لإنعاش أوسلو من أجل إنتاج أوسلو 2 ما بين صفقة القرن وما بين الحكم الذاتي في سباق ماراثوني تفاوضي جديد للوصول الى ما يسمى بوهم حل الدولتين. هذا الوهم الذي جاءت قوى اليمين والتطرف في أمريكا وإسرائيل بقيادة ترامب ونتنياهو، لكي تقضي عليه عبر سلسلة خطوات ومشاريع أقدمت عليها الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية من نقل للسفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لدولة الاحتلال وشرعنة الاستيطان في الضفة الغربية وحتى منتوجات المستوطنات، في حين عملت حكومة الاحتلال على إحكام سيطرتها على القدس والإجهاز عليها عبر المشاريع الاستيطانية وبناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية، وتكثيف الاستيطان في باقي الضفة الغربية وتشريع ما يسمى بالبؤر الاستيطانية، وتركز الاستيطان في الأغوار لجودة أراضيها الزراعية وتوفر مصادر المياه فيها، وكذلك شطب الحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني وفي المقدمة منها حق العودة بوقف تمويل وكالة الغوث واللاجئين " الأونروا".

ومع مجيء الإدارة الأمريكية وفي ظل سفور وفجور التطبيع الرسمي العربي، يجري الحديث عن إنعاش المفاوضات واوسلو، ولكن دون إلغاء للقرارات الأمريكية السابقة التي استهدفت الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، بل تنطلق المفاوضات من النقطة التي تكرست فيها الوقائع على الأرض، ومن الآن فصاعداً يطالب الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي عدم القيام بخطوات أحادية تؤثر على ما تبقى من حل الدولتين واتفاق أوسلو. ويبدو ان السلطة الفلسطينية مستعدة وجاهزة ومتلهفة للمغريات التي قدمتها لها أمريكا بالحديث عن إعادة فتح مكتب الممثلية الفلسطينية في واشنطن، وإعادة عمل وكالة التنمية الأمريكية في الضفة الغربية، وتقديم المساعدات المالية للأجهزة الأمنية والسلطة الفلسطينية، وإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القسم الشرقي من المدينة، وتمويل جزئي لوكالة الغوث واللاجئين.

تحت ذريعة ووهم التمايز بين الإدارة الأمريكية الحالية والإدارة الأمريكية السابقة ستجري العودة الى المفاوضات وتطبيق السلطة لالتزاماتها الأمنية وفق اتفاق أوسلو، ونحن ندرك تماماً بان مصلحة أمريكا ومصلحة إسرائيل واحدة والتمايز لا يمس جوهر الموقفين، والرهان على أن الإدارة الأمريكية ستمارس ضغوطاً على الحكومة الإسرائيلية للقبول بحل وسط، هو رهان خاسر، ووهم لحمل كاذب، وعودة لـ" تجريب المجرب" من جديد، وتعاط مع حقوق شعبنا بالمقامرة والتجريب، والقيادة تدرك تماماً بانه في ظل ميزان قوى مختل لصالح المحتل، فإنه ليس بالإمكان انتزاع حل يلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني، دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران1967 وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق القرار الأممي (194).

الإدارة الأمريكية تدرك تماماً بان إعلان موت أوسلو وخيار ما يسمى بحل الدولتين، لن يشكل خدمة لأمريكا ولا لدولة الاحتلال، بل سيصب في خدمة النضال الوطني الفلسطيني.

وهذا يعني بالملموس بأن الشعب الفلسطيني سيلتف حول خيار ونهج وثقافة المقاومة بكل أشكالها، وهذا يصب كذلك في خانة دعم محور المقاومة في المنطقة والذي بات يراكم إنجازات وانتصارات ملموسة ، والتخلي عن الرهان على ما يسمى بمحور العقلانية والواقعية العربية، دعاة حلف الهرولة والفجور التطبيعي، وكذلك هذا سيحدث حالة طلاق مع ثقافة التسوية ونهجها وخيارها، لصالح نهج وخيار وثقافة المقاومة.

ومن هذا المنطلق نقول بشكل واضح بان الإدارة الأمريكية، لا تريد لما تحقق من تكريس للوقائع على الأرض الفلسطينية وتشكل الأحلاف الأمنية والعسكرية بين دولة الاحتلال والعديد من دول النظام الرسمي العربي ان ينهار، ولذلك يجب العمل على إعادة المفاوضات وإنعاش أوسلو وإدارة الصراع لا حله بما يمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، وبما يقطع الطريق على تعزيز الالتفاف الشعبي والجماهيري حول خيار المقاومة، وما المانع من العودة للتفاوض لمدة ربع قرن أخرى بلغة شامير رئيس وزراء الاحتلال الأسبق دون تقديم أي تنازل للعرب، بل تحقيق المزيد من الإنجازات لصالح دولة الاحتلال.

ولهذا فإنّ مصلحة نضال شعبنا في فلسطين المحتلة، وقواه الوطنية، إنما تكمن في قطع الطريق على هذه الخطة الأميركية، من خلال توحيد الموقف الفلسطيني حول خيار المقاومة بكل أشكالها من ناحية، والتمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية ورفض التفريط فيها وفي مقدمها حق العودة من ناحية ثانية.. لا سيما أنّ اتفاق أوسلو الذي دفنه الاحتلال لم يعد يريد منه سوى توفير الغطاء لمواصلة سياساته الاستيطانية وتكريس الأمر الواقع الاحتلالي من جهة، واستمرار السلطة الفلسطينية بالتنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الصهيونية من الجهة الأخرى.

 

 

نقلا عن صحيفة القدس