النجاح - لا نتمنى ولا نعتقد أن الدكتور حنا ناصر سيقبل الاستمرار في الوساطة، بعد الجولة الثالثة، متنقلاً بين الضفة غزة، بحثاً عن حلول لقضايا غير فنية، تتجاوز قدرته وقدرة لجنة الانتخابات المركزية على معالجتها. في الأساس فإن  وطنية ونزاهة وحرص هذا الرجل، هو ما دفعه للقبول بمهمة الوساطة، كمهمة تخرج عن صلاحيات ودور لجنة الانتخابات المركزية، التي يرأسها بامتياز وأمانة.

الجولات التي سيكملها الدكتور ناصر وفريقه كافية جداً، لاستخلاص النتائج، سواء كانت ايجابية أو سلبية، بعد السجال الذي دار بين لجنة الانتخابات والفصائل، خلال جولات لجنة الانتخابات، قد أصبح واضحاً أن المجال مغلق أمام الاحتمالات، ذلك أن كل طرف يتمسك برؤيته إزاء متطلبات وآليات إجراء الانتخابات. تصر حركة حماس وفصائل أخرى على ضرورة البدء بحوار وطني مسؤول وعلى مستوى مقرب للبحث عملياً والتوافق حول البيئة السياسية، والقانون الانتخابي، وآليات الانتخابات والمرجعيات القضائية، بينما لا ترى حركة فتح أي ضرورة لذلك، وبعض قيادتها قال أن الحوار بهدف الاتفاق بعد صدور المرسوم الرئاسي، هو حوار غير قانوني. يعيدنا الحديث حول هذا الموضوع إلى المربع صفر الذي تربعت عنده محاولات ومبادرات تحقيق المصالحة الوطنية. تصر حماس والفصائل الثمانية على أن انعقاد اللجنة القيادية العليا لتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية هي المدخل الأساسي لتحقيق توافق وطني حول ملفات المصالحة التي تضمنتها الاتفاقيات السابقة، فيما تصر حركة فتح، على أن حماس ينبغي أن تبادر لتنفيذ اتفاق 2017 الذي وقعت عليه في القاهرة. من الواضح أن الطرفين يقرأ كل منهما الطرف الآخر على نحو دقيق ويستهدف إلقاء مسؤولية التعطيل على الطرف الآخر، باعتبار أن كليهما لا يملك الإرادة الكافية والمدروسة لاتخاذ قرار استراتيجي من هذا المستوى.

واقعياً ووفق حسابات الأوضاع الفلسطينية لا أرى مثل آخرين أن الانتخابات في حال إجرائها، يمكن أن تنقل الواقع الفلسطيني الراهن إلى واقع مختلفٍ ومأمول. ثمة استفاضة ومبالغة في إطلاق التصريحات الإيجابية التي تصدر عن قيادات تتحدث عن أهمية الانتخابات وعن إرجاع الأمانة والحق  للشعب الذي عليه أن يقرر مصيره وقيادته، ولكن أحداً لم يشرح كيف يمكن لهذه الانتخابات أن تفتح المجال أمام مرحلة أخرى تؤدي إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. نفهم ونتفهم الدوافع الإيجابية التي تجعل أطراف أوروبية وإقليمية تطالب بإجراء الانتخابات العامة، لكن على هؤلاء أن يفهموا ويتفهموا النتائج المترتبة على إجرائها في ظل الوضع القائم في فلسطين.

ثمة أسئلة أخرى عدا عن العقبات المعروفة التي تحول دون توافق وطني يؤدي إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة، وتشكل فخراً للشعب الفلسطيني. فيما يتعلق بهذا الأمر ينبغي التفكير ملياً في العقبة الإسرائيلية، فإذا وافقت إسرائيل على غض الطرف عن مشاركة المقدسيين فإن ذلك يثير شبهة كبيرة، بشأن أبعاد وأهداف الموقف الإسرائيلي، الذي يتعارض بقوة مع المصالح الفلسطينية، أما إذا رفضت إسرائيل ذلك وهو المرجح، فإن كل الأطراف الفلسطينية، ترفض أي انتخابات تستثني العاصمة. هل من يضغط على السلطة لإجراء الانتخابات قادر على ممارسة ضغط فعال على إسرائيل من أجل تسهيل إجراء انتخابات بما في ذلك في القدس، أم أن هؤلاء لا يملكون الحد الأدنى من القدرة على ممارسة مثل هذا الضغط على دولة تدير ظهرها لأقرب حلفائها؟. هل الظروف السياسية تستدعي انتخابات للمجلس التشريعية، أم لبرلمان تأسيس الدولة تحت الاحتلال؟. وأخيراً هل يمكن للفلسطينيين أن يدعوا بأنهم يقيمون نظاماً ديمقراطياً لمجرد إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، أم أن الديمقراطية نظام مجتمع شامل من القاعدة إلى القمة؟. أعتقد أن ذلك يكفي للحكم على كل ما يتصل بهذا الملف، الذي قد يتحول إلى همروجة واشتباك إعلامي، الأمر الذي يعفينا عن طرح أسئلة أخرى مهمة في هذا السياق لتأكيد جملة هذا المقال.