خاص - النجاح الإخباري - في الأسابيع الأخيرة، صعّدت إسرائيل وتيرة عملياتها العسكرية في لبنان وسوريا بصورة لافتة، ما أثار شكوكًا واسعة حول نواياها الحقيقية في إدارة التوتر على حدودها الشمالية. فمن اغتيال رئيس أركان حزب الله هيثم علي طبطبائي، إلى الهجمات الجوية اليومية في جنوب لبنان، وصولًا إلى الاستعداد المعلن لحملة برية واعتقال ناشطين سوريين في الجولان، تبدو إسرائيل وكأنها تتحرك بلا استراتيجية واضحة، وفق تحليل صحيفة "هآرتس" للكاتب تسفي برئيل.

ورغم أن هذه التحركات تُقدّم رسميًا باعتبارها خطوات وقائية لإزالة “التهديدات”، إلا أن قراءة متعمقة للتطورات توحي – بحسب الصحيفة – بوجود هدف سياسي داخلي أكثر خطورة: الحفاظ على حالة حرب دائمة تخدم الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، وربما تهيئ بيئة داعمة لملف طلب العفو الذي يسعى إليه الأخير.

لبنان… بين سعي للتهدئة وضغوط تدفع نحو المواجهة

على خلاف الوضع المعقّد في غزة، تتمتع إسرائيل في لبنان وسوريا بما يشبه “ترفًا استراتيجيًا”، إذ تعلن حكومتا بيروت ودمشق صراحة أنهما لا ترغبان في حرب. في لبنان خصوصًا، تبنّت الحكومة مبدأ “توحيد السلاح تحت سلطة الدولة”، وبدأ الجيش اللبناني بالفعل بجمع سلاح التنظيمات غير الرسمية، وفي مقدمتها حزب الله، في جنوب البلاد.

لكن الوتيرة بطيئة للغاية، ويشكّل ذلك مصدر إحباط لإسرائيل والولايات المتحدة. فبينما يرى الجيش اللبناني أن الاستعجال قد يفجّر صدامًا مباشرًا مع حزب الله، تضغط تل أبيب وواشنطن لدفع بيروت نحو مواجهة مفتوحة تُنهي هيمنة الحزب عسكريًا.

في المقابل، تحتفظ إسرائيل بخمس نقاط احتلال داخل جنوب لبنان، وتواصل قصفها الجوي شبه اليومي، فيما تضغط واشنطن لفتح مفاوضات مباشرة تشمل ترسيم الحدود البرية، إطلاق الأسرى اللبنانيين، وتوسيع لجنة مراقبة وقف إطلاق النار لتضم سياسيين لبنانيين، إضافة إلى مطلب حساس: انضمام لبنان إلى اتفاقات أبراهام.

وبحسب تقرير هآرتس، قدم مبعوث ترامب السابق، توم باراك، ورقة عمل تقضي بوقف إسرائيل هجماتها لشهرين مقابل مفاوضات شاملة تتضمن إنشاء منطقة منزوعة السلاح وانسحابًا تدريجيًا من النقاط الخمس، إلا أن إسرائيل رفضت المقترح.

موقف حزب الله… قبول محدود مقابل تمسّك بالسلاح

يعلن حزب الله أنه لا ينوي التخلي عن سلاحه كاملًا، لكنه يؤكد التزامه – وفق نص الاتفاق – بأن يكون الجيش اللبناني القوة الوحيدة المسلحة في الجنوب. ومع ذلك، تتبنى الحكومة اللبنانية مهمة أوسع بكثير: جمع سلاح الحزب في كل أنحاء البلاد، بما يتجاوز الاتفاق الأصلي.

وقد أبلغ الرئيس اللبناني جوزيف عون إيرانَ صراحة بأنه لن يتراجع عن هذا المبدأ، ودعا طهران للضغط على حزب الله للتعاون مع الدولة.

هذا الموقف الجريء يضع لبنان بين خيارين أحلاهما مرّ:

* مواجهة مع الحزب قد تنزلق إلى حرب أهلية،

* أو مواجهة مع إسرائيل قد تتحول إلى حرب شاملة.

سوريا… فراغ أمني واستثمار إسرائيلي في حالة عدم الاستقرار

في الجبهة السورية، تتكرر المعادلة نفسها. إسرائيل تمنع الجيش السوري من الانتشار جنوب الجولان، وتنفّذ عمليات ضد تشكيلات مسلحة في المنطقة، فيما تبقى المفاوضات الأمنية مجمّدة رغم إبداء الرئيس السوري أحمد الشرع استعدادًا للانضمام إلى اتفاقات أبراهام “عندما يحين الوقت”.

المشهد الأمني في جنوب سوريا معقّد، إذ تنشط فيه ميليشيات درزية وقبائل بدوية وتنظيمات إسلامية، بينما تحافظ إسرائيل على وجود عسكري يساعد بعض هذه المجموعات، ويخلق انطباعًا باحتلال مباشر قد يشعل انتفاضة محلية.

ورغم مصلحة إسرائيل الواضحة في انتشار الجيش السوري لملء هذا الفراغ الأمني، فإن تل أبيب تستمر في منع ذلك بحجة أن دمشق “كيان غير موثوق”.

إسرائيل… استراتيجية “الحرب المستمرة” بدل الاتفاق

تشير تحليلات هآرتس إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، بدل أن تكون وسيلة لدفع الاتفاقات، قد تكون هدفًا بحد ذاتها. فالتصعيد المستمر يمنح الحكومة الحالية مكاسب داخلية، ويُبقي المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة دائمة، بينما تبدو فرص تفكيك سلاح حزب الله أو إعادة ضبط الجبهة السورية محدودة للغاية دون اتفاقات سياسية شاملة.

وتختتم الصحيفة بالتحذير من تكرار أخطاء “الأحزمة الأمنية” السابقة في لبنان وغزة، مؤكدة أن السيطرة العسكرية لا تصنع أمنًا طويل الأمد، بل قد تولّد مقاومة أكبر وتفتح الباب لساحات اشتعال جديدة.