د. سائد الكوني - النجاح - في ظل تزاحم الأحداث، يحتار المرء لضيق وقته وكثرة إنشغالاته فيما يكتب عنه من بينها، فيحاول أن يختار ما يرى فيه أكثر أثراً في بث روح الأمل والتفاؤل بين أبناء شعبنا، ولذا تتصدر عنوانين الصحف المكتوبة والمدونات الإلكترونية هذه الأيام التغطيات الإعلامية المتعلقة بتطورات المصالحة، خاصة بعدما تم توقيع الاتفاق الشامل الخميس 12/10/2017 في القاهرة بين حركتي فتح وحماس برعايةٍ مصرية. وفي هذه الأثناء تراجعت التغطية الإعلامية لتطورات إيجابية أخرى لا تقل أهمية وتطال قطاع واسع من جماهير شعبنا، ولكن بهت وهيجها في ظل تزايد إنشغال الشارع الفلسطيني بمتابعة تطورات المصالحة عن غيرها من الأمور، ونتحدث هنا عن إنحسار الفعاليات الإحتجاجيه التي صاحبت إعراب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) عن نيتها تقليص مساعداتها المالية لبرامج غوث وتشغيل اللاجئين التي تدعمها وتطال بشكل رئيسي التعليم والرعاية الصحية، حيث شكل الحدث الأبرز خلال الفترة السابقة الإعلان في 14 آب 2017 عن قرار إغلاق العديد من أقسام مستشفى الوكالة في قلقيلية، القائم منذ عام 1950، ويضم 63 سريراً، ويعمل فيه 125 موظفاً، ويُقدّم خدمات طبية لعشرات الآف من اللاجئين، والإبقاء عملياً فقط على قسم الطوارئ فيه. 

الجهود الحكومية والفعاليات الشعبية التي تكاتفت في سبيل رفض هذه الاجراءات، آتت أولى ثمارها الطيبة فيما نُشر عن توقيع الاتحاد الأوروبي على تبرعٍ إضافيٍ بقيمة 9.5 مليون يورو للموازنة البرامجية للأونروا في العشرين من أيلول المُنصرم على هامش إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في نيويورك، بالإضافة إلى مساهمته التي قُدمت في وقت سابق من هذا العام وبلغت قيمتها 82 مليون يورو. تبع ذلك إعلان وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في الخامس من شهر تشرين الأول الجاري على لسان مدير عملياتها سكوت أندرسون، عن أنتهاء أزمة مستشفى الوكالة في قلقيلية وعودة العمل في كافة أقسام المستشفى كالمعتاد، وتشكيل لجنة لتطويره وتحسين الخدمات المقدمة فيه. 

الجهود الفلسطينية إذن تكللت بالنجاح هذه المرة، ولكن المشكلة لم تُحل نهائياً، ومن الممكن أن تنفجر من جديد في أي وقت، طالما أنه لم يتم التعامل مع أسبابها الحقيقية التي تكمن أساساً في الموقف الإسرائيلي المعادي لوجود الأونروا، ويتضح لنا ذلك فيما نُقل من قولٍ عن بنيامين نتنياهو لوزرائه في إجتماعٍ لحكومته في شهر حزيران الماضي عما أخبر به نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة  من أنه: "آن الأوان للأمم المتحدة لكي تنظر في استمرار عمل الأونروا"، مستنكراً ومحرضاً عليها بقوله: "بينما يوجد ملايين اللاجئين في العالم تعتني بهم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فإن للفلسطينيين وحدهم وكالة خاصة بهم"، مطالباً بتفكيك الأونروا ودمج أجزائها في تلك المفوضية، علماً أن هذا الموقف ليس الوحيد الذي يصدر عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، قولاً أو فعلاً، ويعكس الرغبة الإسرائيلية في إستهداف وجود الأونروا.

اسرائيل تدعي في أكثر من مناسبة دولية، أن الفلسطينيين غير جاهزين أو جادين في عقد سلام نهائي حقيقي ودائم معها، في حين أنها هي الطرف الذي تنصل من إتفاقيات أوسلو وما ترتب عليها من الالتزامات بمقتضاها، والأدهى من ذلك وأمَّر، أنها تقود منذ سنوات حرباً ضروساً من نوع آخر على الفلسطينيين، دون أن تكون معلنة على الملأ، وذلك في اتجاهين، أولهما: جهودها الحثيثة في الساحة الدولية الرامية إلى تقليص المساعدات المالية الممنوحة للوكالة الأممية من قبل الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وثانيهما: نشاطها الدبلوماسي المكثف الهادف إلى تغيير التفويض الممنوح لهذه الوكالة بموجب القرار الأممي رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، وحصره في اللاجئين الأصليين الذين غادروا فلسطين عام 1948 فقط، وإسقاط صفة لاجئ عن أبنائهم وأحفادهم.

من غير المعلوم لكثيرين أن الأونروا ومنذ نشأتها تكاد تعتمد حصرياً في تمويلها لأنشطتها على المساهمات الطوعية لأعضاء المجتمع الدولي، حيث تغطي الموازنة العادية للأمم المتحدة فقط بحدود ألـ 5% من موازنة الأونروا الاعتيادية، وهذه تُنفق بشكل خاص على رواتب الموظفين الدوليين. ويعتبر التفويض الزمني المؤقت للأونروا أحد أهم الأسباب التي حالت دون وجود تخطيط استراتيجي لإحتياجاتها المالية يغطي سنوات طويلة. فبموجب القرار 302 تأسست الوكالة في كانون الأول 1949 لتُعنى بتقديم مساعدات إنسانية، وإقتصادية، وإجتماعية مؤقته للمعوزين بين ما يقارب حينها ألــ 935000 لاجئ لفترة لا تتعدى التسعة أشهر، ونظراً لعدم إنتهاء الصراع العربي الإسرائيلي، جرى باستمرار تمديد تفويض الأونروا لفترات تراوحت ما بين 3 و 5 سنوات، وفق الافتراض الضمني بأنها ستواصل أعمالها في خدمة اللاجئين طالما أنه لم يتم التوصل بعد إلى حل عادل لقضيتهم، وتحولت الأونروا بذلك إلى هيئة شبه دائمة، من غير أن يواكب هذا التحول تطوير لآليات تمويل طويلة الأمد تتماشى مع وضعها الجديد. وبالرغم من أن المساهمات الطوعية للأعضاء تزايدت عبر السنين بالمعنى المطلق، إلا أن هذه الزيادة لا تكفي لمواكبة تلبية الإحتياجات المتزايدة للاجئين الآخذين في التكاثر بمتوسط زيادة سنوي يبلغ 3.5%، ليبلغ عددهم اليوم حوالي ألـ 7.4 مليون نسمة، منهم قرابة ستة ملايين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في 58 مخيم لجوء وشتات في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا والأردن ولبنان. 

يتضح إذن أن مشكلة العجز المالي للأونروا ليس بالأمر الجديد وإنما صاحبتها منذ نشأتها، ولجأت الوكالة الدولية إلى معالجتها عن طريق سياسة التقليصات الماليه التي بدأتها منذ عقود، بدلاً من أن تعمل على تطوير حلول تمويلية إستراتيجية لها، ما نجم عنه مشكلات متفاقمة انعكست وتنعكس سلباً على أوضاع اللاجئين ومتطلبات تلبية احتياجاتهم الأساسية. ولكن في حين يُروج للإدعاء بأن التقليصات المالية للإونروا تُعزى إلى تراجع مساعدات الدول المانحة، في ظل تردي الأوضاع الأمنية والإنسانية في أماكن أخرى بالعالم تنال إهتمام تلك الدول، يتجلى لنا الدور الإسرائيلي المُؤثر ورائها، حيث أن قادة الإحتلال ومُنظروه يرون في مواصلة الأونروا لعملها إبقاءاً لملف اللاجئين مفتوحاً بما يمثله لكيانهم من تهديدٍ دائم لإمكانية عودتهم، ومن هنا عمدوا بشتى الطرق والوسائل إلى إنهاء عمل الوكالة التي تُعنى بشؤون اللاجئين باعتبارها تنصب العداء لإسرائيل وتستهدف وجودها. وشهد العام 2017، على وجه الخصوص، تحركاً إسرائيلياً مكثفاً وملحوظاً على الصعيد الأممي، خاصة في واشنطن التي تساهم بتمويل ربع موازنة الأونروا، لمحاربة الوكالة وفرض رقابة صارمة على التبرعات المالية الموجهة لها تحت ذرائع عدة منها أن حماس في غزة تستغل مقار وكالة الغوث ومدارسها لتخزين أسلحة تستخدم لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل، وأن عدداً من موظفي الوكالة نشطاء في حماس. تدعيماً لهذا الإدعاء، تُثير إسرائيل أيضاً قضايا فساد مالي في إدارة الوكالة تستهدف التشكيك في مصداقيتها لدى الدول المانحه في إطار سعيها إلى تجفيف أو تقليص مصادر دعمها المالي، وتزايدت مؤخراً ضغوطاتها ودعواتها للمجتمع الدولي إلى فرض رقابة مشددة على عمليات الأونروا وتبرعاته المالية لها بحجة أن بعضها يذهب إلى حماس، ومطالبةً بإجراء تغييرات جوهرية على صلاحيات الوكالة. ونرى الكاتب والصحفي الأمريكي دانيال غرينفلد يكتب في إطار التجيش لهذا الغرض: "آن الأوان لنزع الأقنعة ووضع الأمور على الطاولة، في غزة، لا فرق بين الأونروا وحماس؛ هكذا يوفر الأمريكيون غطاءً عالمياً للإرهاب، ويقومون بخرق قوانينهم".

على صعيدٍ آخر تسعى إسرائيل إلى تغيير تعريف صفة اللاجئ، بحيث لا يتم منحها للفلسطينيين الذين يُولدون في مخيمات اللجوء، وذلك ما تعكسه أيضاً كتابات الكاتب أعلاه حين يقول: "أن اللاجئون الفلسطينيون الأصليون، التي كانت الأونروا قد أُنشئت لرعايتهم، ماتوا بغالبيتهم، وهكذا تحوّلت الوكالة إلى منظمة مشبوهة وفضائحية من منظمات الأمم المتحدة، التي توفر الدعم لدولة الرفاه التابعة لمخيّمات اللاجئين، القديمة والمتطورة أكثر من مدن كبيرة في الشرق الأوسط". 

وعليه فإن القرار الأممي رقم 194، بتاريخ 11 كانون الأول 1948، الذي يؤكد حق العودة والتعويض واستعادة الممتلكات، يُشكل كابوساً دائم يُؤرق بال قادة إسرائيل ويسعوا إلى تقويضه من خلال ضغوطاتهم على الأونروا بالعمل على إعادة تعريف صفة اللاجئ الفلسطيني، ليصبح اللاجئ هو فقط من خرج من فلسطين سنة 1948، ذلك أن صفة اللجوء يجب أن لا تورّث ويتوجب وقف منحها لأبناء اللاجئين وأحفادهم، وهو ما يعني سحب صفة اللاجئ لمن يتمتع بجنسية بلدٍ آخر أو يحصل على إقامة دائمة فيه، وبذلك تنحصر مسؤولة الأونروا فقط في حدود 30 ألف لاجئ فلسطيني ممن تزيد أعمارهم عن 69 سنة، عوضاً عن مسؤوليتها حالياً عن نحو 6 ملايين لاجئ يتلقون مساعدات حسب سجلاتها. وبذلك يتضح للعيان الأسباب الحقيقية لمناهضة إسرائيل للأونروا التي تمثل في الضمير الإنساني شاهداً حياً وقوياً على النكبة وحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين، ونرى لذلك الإدعاء الإسرائيلي "بأن المناهج التدريسية في مدارس وكالة الغوث تُحرض اللاجئين على العودة إلى يافا وحيفا والرملة، وهي بهذا تعمل على إستمرار الصراع العربي الإسرائيلي بدلاً من المساهمة في حله"، وفق ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أشهر قليلة، وتسعى إسرائيل حالياً بكل قوة للضغط على الأونروا لتحقيق حُلمها بالتواجد في تلك المناهج، من أجل ترسيخ وشرعنة وجودها.

وختاماً فإن الحكومة الفلسطينية وإذ تُولي من واقع تحملها لمسؤولياتها إتجاه جميع أبناء شعبها، اهتماماً كبيراً في المخيمات الفلسطينية من خلال دعم وتنفيذ مشاريع تنموية وإغاثية وإنسانية فيها، تعمل على تعزيز صمود اللاجئين واستمرار قضيتهم حية، فإن ذلك يجب أن لا يُقابل بإدارة الظهر لقضايا اللاجئين من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي لأنه يعني وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في مواجهة سياسية ووظيفية مع جمهور اللاجئين، وعلى ما يبدو، هذا ما يبتغيه البعض. ونُذكر بأن إلتزام الأونروا في الإستمرار بتقديم خدماتها للاجئين ورعايتهم داخل المخيمات وحتى خارجها ينبع من المسؤولية الأخلاقية، والقانونية، والدولية للأمم المتحدة إتجاه الشعب الفلسطيني؛ بدايةً لأنها هي من أنشأ إسرائيل فوق أرض فلسطين وفقاً للقرار الأممي رقم 181 بتاريخ 29/11/1947 الذي تسبب في تشريد مئات الآف من الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين، وثانياً لعدم ممارستها لغاية اليوم ضغوطات حقيقية على إسرائيل تجبرها على تنفيذ جميع القرارات الدولية المتعلقة بضمان حقوق أبناء شعبنا في العيش الكريم الآمن فوق أرضهم.

وإلى حين أن يُقوم هذا الخلل في المنظومة الدولية، يتوجب أن تتكثف الجهود السياسية، الفلسطينية والعربية خاصةً، للتصدي للمحاولات الإسرائيلية في إستهداف الأونروا، وعلى الأمم المتحدة توفير الدعم الكافي للوكالة الدولية من خلال توفير شبكة أمان لموازناتها السنوية الاعتيادية تُمكنها من القيام بمهامها في إغاثة وتشغيل اللاجئين على النحو المطلوب منها.