النجاح - النجاح الإخباري – ذكرى شحادة تتكئُ على قوتها بدلا من عكازة صماء، تبتسم بثقة لكل المارين، تكاد تخطفك ابتسامتها حيث انك لن تنتبه الى عرجتها في مشيتها، وكأنها لا تتألم مطلقا، تمسك كتبها الجامعية بإصرار لتترك وراءها قصة نجاح في كل مكان تغادره أو تسير إليه .

ما أن تجلس مع الشابة ياسمين نجار 19 عام من قرية بورين إلا وتصاب بذهول يكاد ياخذك الى عالم الجنون تارة والإصرار والتحدي تارة اخرى, ياسمين التي حصلت على جائزة المرأة المنجزة في اكتوبر الماضي تروي لنا قصتها لتترك في نفوسنا مساحاتٍ من امل.

النجاح الإخباري حاور ياسمين النجار حول هذا الانجاز وكيف انطلقت وكيف وصلت لما عليه الآن.

  • ما هي سبب الاعاقة التي خلقت لديها نوع من التحدي والإصرار ؟

تقول: كنت العب مع اطفال العائلة في فناء البيت مختبئة خلف السور الذي إخترقته شاحنة ضخمة  فهُدم السور وبُترت ساقي، وذلك في أوج الانتفاضة في 2000 فكانت مصيبتي أعظم بسبب عدم تمكن عائلتي للوصول الى المشافي بسبب الحواجز، فما أن وصلنا الى المشفى إلا وقد كانت خلايا قدمي تالفة ولا يمكن إعادة ترميمها فتقرر لي بترها .

  • كيف تصفين معاناتك مع هذا الظرف الجديد في ظل الاوضاع السياسية حينها؟

" كنت أنا وعائلتي نعاني كثيراً قبل الوصول إلى المشافي لكي أتلقى العلاج السليم، فلم يكن في ذلك الوقت أي مراكز متخصصة في هذا الشأن وكنت أحتاج للكثير من العناية لانني طفلة وفي طور النمو، فكان من الطبيعي أن أُجري تعديلاً على القدم الصناعي مرتين في الشهر على الاقل، فكانت هنا أكثر المراحل في حياتي معاناةً، كنا نواجه صعوبات كبيرة في حصولنا على التصاريح والدخول للقدس، الى أن وصل الامر في عام  2006 ان أَصبح انا خطرا على امن اسرائيل،  كان هذا سببا لرفض والدي أمنياً إلى الان من دخول القدس، ولجوئنا الى الاردن لإستكمال العلاج والمتابعة اللازمة ".

 

أمن اسرائيل أمَنَ مستقبلها!!

كل فلسطيني ترددت على أُذنه جملة " أنت مرفوض أمنيا " أو " أنت تشكل خطراً على أمن إسرائيل " يعلم جيداً أنه لم يقترف ذنبا سوى أنه فلسطيني وليس لخطرٍ يدعونه، فكان هذا الإفتراء سببا لفتح افاقاً أكثر إتساعا لياسمين لتتبلور شخصيتها وتعوض كل ما اُخذ منها.

  •  ما الذي حول حياة ياسمين وإنتقل بها لعالم اخر من الانجاز والاصرار والعزيمة ؟

 تعرفتُ  على جمعية إغاثة أطفال فلسطين خلال  فترة علاجي في الاردن  فقدموا لي الدعم والمساعدة، وتنقلت بصحبتهم إلى تركيب الأطراف الصناعية في أمريكا ودبي والاردن، فكانت نقطة التحول في حياتي هي عندما قررت الجمعية إشراكي في تحدٍ جديد ومختلف فقد عرض فريقُ الجمعية برئيسها  "ستيف سوسبي" وبمبادرة من أول إمرأة فلسطينية متسلقة لجبل إفرست/ سوزان الهوبي أن أذهب معهم لتسلق قمة جبل كلمنجارو، والذي يعد أعلى جبل في إفريقيا و ثاني أعلى قمة بركانية في العالم، كنتُ أملك روحا من المغامرة والخروج عن المألوف ولم تمنعني إعاقتي ابدا عن اي خطوة كنت انوي الوصول إليها، فوافقت على العرض معتبرةً إياه أنه مغامرة العمر التي لن افرط بها، والتي فعلا غيرتني وقدمت لي الكثير".

 

بداية مشوار لا يخلو من صِعاب

  • كان لا بد من بداية تمهيدية لكِ قبل البدأ بهذه المهمة الشاقة نوعاَ ما ، حدثينا كيف كانت التدريبات التي تلقيتيها والى ماذا اوصلتكِ ؟

إبتدأتُ بالتدريب على الة المشي لتعديل مشيتي وزيادة صلابتها  وبالرغم من أنني لم أصل الى قمة جبال بورين بسبب المستوطنات إلا أنني عزمت على خوض التجربة وبعد إن تحول الأمر من تجربةٍ شخصية إلى قضية وطنية أقسمتُ أن أصل رغم كل شيء، فلقد احتجزت المخابرات الإسرائيلية والدي ثلاث ساعات بعد أن أوصلني الى مطار الملكة علياء قائلين له أنه قد يكون  مجنونا إذا إعتقد لوهلة أن إبنته ستصل الى قمة الجبل بقولهم " إنتو الفلسطينيين شعب ضعيف مابتعرفوا توصلوا لاي شيء". حاولوا إرهاقه بمعلومات كثيرة جمعوها حول الموضوع عن المخاطر التي سأواجهها لكي يصر على إعادتي دون أن أكمل الطريق فكان إصرار أبي أنني ساصل وأما عن تحدي جنود الإحتلال له بفشلي أصبح  سببا  يدفعني للامام لكي أُوصل علم بلادي للقمة بيدي وأحمل قضيتي على كتفي لإوصلها الى كل العالم.

"لا قوة في الدنيا تمنعني من االتقدم"

  • ابتدأت بهذه الجملة التي لا تخلو من تحدٍ جريء في سؤالي : ماهي الخطوات الاولى التي قمتِ بها حتى بعد محاولات الإحتلال لتثبيط عزيمتك ؟

أكملت :  أخذتُ من العتاد ما قد يحتاجه أي شخص، إستغرقنا 6 أيام للصعود إلى قمة الجبل ويومين في النزول، كان الأمر غاية في الصعوبة فقد كنا نمشي بمعدل13 ساعة في اليوم بنسبة أًكسجين منخفضة ودرجة حرارة متقلبة فقد مر علينا خلال صعودنا إلى الجبل خمس تضاريس مختلفة، ابتداءً من جو إفريقيا شديد الحرارة في بداية التسلق وصولاً إلى البرد القارص والضباب والمطر كلما صعدنا أكثر، وإزداد التحدي لدي وأنا أرى الكثيرين مِن مَن تراجعوا عن إكمال التسلق، لكنني كنت أحمل على عاتقي قضية أكبر فأكمت دون الالتفات إلى المتساقطين .

  • كانت هذه التحديات التي واجهها أي متسلق ممن خاضوا التجربة ووصلوا ولكن عن التحديات الخاصة التي واجهتيها انتِ بالظروف التي وُضعتِ بها ، ما هي التحديات المختلفة ياسمين؟

 كانت رحلة شاقة جدا بالنسبة لي, فبالإضافة الى كل ما سبق تعرضت انا ولانني من ذوي الاحتياجات الخاصة مشاكل مع ساقي التي إلتهبت جلديا خلال الرحلة كثيراً وكاد الألم أن يمنعني من أن أكمل الطريق ولكنني كنت أتذكر والدي، عائلتي، أبناء قريتي الذين عقدوا امالهم على فوزي وذاك الجندي الذي سب شعبي وإتهمه بالعجز.

 

  • حدثينا عن لذة النجاح والوصول بعد رحلةٍ من التعب والألم؟

وصلت الى القمة وزرعت على رأسها علم فلسطين، لم تسعفني حينها الكلمات لوصف هذا المشهد إختلطت علي المشاعر وقتها فالإبتسامة إمتزجت بالدموع لا أكاد أرى شيء من حولي، لا أرى إلا علم بلادي قد وصل .. .

إستلمت على أثر هذا النجاح الجائزة الدولية للنساء المنجزات في إيطاليا  في شهر اكتوبر من العام الماضي، في حين أني كنت أول فتاة شابة في العالم تأخذ هذه الجائزة، فقد لا تجد مِن مَن أخذن هذه الجائزة دون عمر الاربعين، كما وأنني أول امرأة عربية  وفلسطينية تصل الى هذا النجاح عدى عن أنني الوحيدة من ذوي الإحتياجات الخاصة.

 

  • ومن لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر هكذا  انهت ياسمين نجارحديثها بابتسامتها التي لاتغيب، ما هي رسالتُك للعالم ، لفلسطين ، ولكل من سيسمع عن نجاحك ويقرأ كلمة كُتبت عنك؟

قالت ياسمين : هي رسالة مني إلى كل ذوي الاحتياجات الخاصة ليس هناك أي إعاقة تمنعك من تحقيق أهدافك طالما إمتلكت الإرادة والثقة، نحن المعاقين لسنا ضعفاء ولا نحتاج سوى إلى أن نحمل هدفاً وقضية لنؤمن بها.

  • وما هي رسالتك ايضا للإحتلال الذي لطالما يحاول طمس الروح فينا ؟

 الشعب الفلسطيني قادر على المقاومة والعطاء فكلنا نقاوم بكل عمل ننجزه بالشعر والرسم والأُغنية، وكل فلسطيني قادر على الوصول بعمله وعلمه إلى قمة النجاح، ورغم أُنوف الإسرائيليين ومحاولاتهم في تثبيط عزيمتنا وقتل أرواحنا قبل أجسادنا، سنظل نصل لكل ما نبتغيه، وسنصل الى القمة دائماً.