نابلس - النجاح الإخباري - كتب د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
هناك مدن نعيش فيها، وهناك مدن تعيش فينا. ونابلس بالنسبة لي من النوع الثاني.
كلما مررت في شوارعها، أو اقتربت من أسواقها، أو رأيت حركة الناس بين جبلي عيبال وجرزيم، أشعر أن لهذه المدينة ذاكرة خاصة ، ذاكرة تمتزج فيها الجامعة بالسوق، والصناعة بالتجارة، والسياسة بالحياة اليومية، وأن نابلس مهما ضاقت بها الطرق والحواجز تعرف دائما كيف تفتح لنفسها نافذة نحو الحياة.
لهذا لم يكن «نابلس إكسبو 2026» بالنسبة لي مجرد معرض جديد.
أعادني المشهد سنوات طويلة إلى الوراء، إلى أيامنا في جامعة النجاح الوطنية، عندما قمنا بإعداد معرض الصناعات الوطنية الأول، ثم الثاني. يومها كنا شبابًا نؤمن -ربما بحماس أكبر من حسابات الاقتصاد- بأن عرض المنتج الفلسطيني وتشجيع الناس على شرائه ليس نشاطًا تجاريًا عابرًا، بل جزء من بناء قدرة الفلسطيني على الاعتماد على نفسه.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أجد الفكرة نفسها تعود بصورة أكبر وأكثر نضجًا: 165 شركة ومؤسسة ومشروعًا تجتمع في نابلس، تعرض ما تصنعه فلسطين وما تستطيع أن تنتجه وتبتكره.
وهنا تكمن، في تقديري، القيمة الحقيقية للإكسبو.
فالاقتصاد الوطني لا يُبنى فقط بالأرقام والموازنات والقوانين الكبيرة ، يُبنى أيضًا عندما يجد المصنع سوقًا لمنتجه، وعندما يجد المشروع الصغير فرصة ليتعرف الناس إليه، وعندما يلتقي التاجر بالصانع والمستهلك والمستثمر، وعندما يقرر الفلسطيني أن المنتج الذي صنعته يد فلسطينية يستحق أن يأخذ فرصته على الرف وفي السوق وفي البيت.
وتصبح هذه الفكرة أكثر أهمية عندما نعرف متى يقام هذا المعرض.
فهو لا يأتي في زمن رخاء اقتصادي، ولا في ظروف طبيعية مفتوحة، وإنما في وقت تتعرض فيه نابلس والضفة الغربية لضغوط اقتصادية ثقيلة: حواجز وإغلاقات، وتراجع في القدرة الشرائية، وتضرر في قطاعات الأعمال والتجارة، وأزمة اقتصادية فلسطينية واسعة امتدت آثارها إلى مختلف مستويات الحياة. وحتى البنك الدولي يصف سوق العمل والمالية العامة الفلسطينية في هذه المرحلة بأنها واقعة تحت ضغوط استثنائية.
لذلك أقول إن توقيت نابلس إكسبو أهم ربما من حجمه.
أن تقيم معرضًا اقتصاديًا عندما تكون الأسواق مزدهرة أمر طبيعي. أما أن تجمع عشرات المصانع والشركات والمشاريع وتفتح أبوابك للناس في وقت يحاول فيه الواقع أن يدفعك إلى الانكماش والخوف وانتظار الأسوأ، فذلك موقف بحد ذاته.
هذا هو الفلسطيني الذي أعرفه.
قد تغلق أمامه الطريق، فيبحث عن طريق أخرى.
وقد يضيق السوق، فيخلق مبادرة.
وقد تصبح الظروف أقسى من قدرته الفردية، فيجتمع مع غيره ويصنع شيئًا أكبر من كل واحد منهم.
ومن هنا، فإن الشكر لغرفة تجارة وصناعة نابلس ليس مجاملة بروتوكولية. فقد كان قرار إقامة هذا الحدث والإصرار عليه في هذه الظروف قرارًا اقتصاديًا ووطنيًا شجاعًا. ويستحق مجلس إدارة الغرفة، برئاسة الأخ سامح المصري، والعاملون فيها، كل التقدير على تحويل الفكرة إلى حدث بهذا الحجم، وعلى استمرار العمل لإعادة نابلس إلى دورها الطبيعي بوصفها إحدى أهم قاطرات الاقتصاد الفلسطيني.
والتقدير موصول إلى ملتقى رجال أعمال نابلس برئاسة الأخ جهاد البنا، وإلى رجالات الاقتصاد والقطاع الخاص الذين أدركوا أن دور رجل الأعمال في هذه المرحلة لا ينحصر في حماية مشروعه الخاص ، بل يمتد إلى حماية السوق نفسه، وتشغيل الناس، ودعم المبادرات التي تعيد الثقة إلى الاقتصاد المحلي. وقد عبّر الملتقى صراحة عن دعمه لإقامة الإكسبو بوصفه نموذجًا للشراكة المؤسساتية في نابلس.
والشكر كذلك لكل الشركات والمصانع والمشاريع الريادية التي حضرت وشاركت، وللبنوك والشركات الراعية، ولبلدية نابلس ومحافظة نابلس ووزارة الاقتصاد والمؤسسات الرسمية والأهلية، وللمؤسسة الأمنية، ولكل عامل وفني ومتطوع بقي خلف الكواليس حتى خرج هذا المشهد بالصورة التي رأيناها. فالإنجازات الكبيرة لا يصنعها اسم واحد، بل شبكة من الناس الذين يؤمنون بالفكرة ويعملون من أجلها.
وقد كنت أتمنى أن أكون حاضرا في الافتتاح، لكن الظروف حالت دون ذلك. ومع هذا كان لي نصيب جميل من هذا الحدث، فقد تشرفت بزيارة موقع المعرض قبل الافتتاح ، واطلعت عن قرب على التحضيرات والاستعدادات، ورأيت حجم العمل الذي سبق لحظة قص الشريط وفتح الأبواب.
ولعل ذلك جعل شعوري اليوم مختلفًا ، لأنني أعرف أن خلف الصورة الجميلة ساعات طويلة من التعب والعمل والتنسيق والقلق، وأشخاصًا ظلوا يعملون حتى يصبح المستحيل ممكنًا.
وأنا أتابع افتتاح «نابلس إكسبو» ، لا أرى فقط أجنحة ومنتجات وشركات.
أرى نابلس التي عرفناها.
نابلس التي تتعب ولا تستسلم.
تُحاصر ولا تقبل أن تتحول إلى مدينة مغلقة على نفسها.
وتحزن، لكنها تعرف أيضًا متى تستعيد صوت السوق وضجيج الناس وحركة الحياة.
لذلك أتمنى ألا نتعامل مع الإكسبو باعتباره أيامًا جميلة تنتهي بانتهاء المعرض. المطلوب أن يتحول إلى تقليد اقتصادي فلسطيني دائم، وأن تنشأ منه شراكات وعقود وفرص عمل وأسواق جديدة، وأن يصبح نافذة حقيقية للمشاريع الصغيرة والريادية، وللنساء والشباب، وللصناعة الفلسطينية القادرة على المنافسة.
والأهم أن نعيد بناء ثقافة وطنية تقول ببساطة: شراء المنتج الفلسطيني ليس تعاطفًا مع المنتج، بل استثمار في العامل الفلسطيني وفي المصنع الفلسطيني وفي قدرة مجتمعنا على البقاء مستقلًا ومنتجًا.
من معرض صغير للصناعات الوطنية في ذاكرتنا الجامعية قبل عقود، إلى هذا المشهد الكبير اليوم في بيت إيبا، تغير الكثير.
لكن الفكرة لم تتغير:
فلسطين التي تنتج، أقوى.
وفلسطين التي يعمل أبناؤها معًا، أقدر على البقاء.
ونابلس، كلما أرادوا لها أن تنطفئ، تعرف كيف تشعل الضوء من جديد.
كل المحبة لنابلس، وكل التقدير لغرفتها التجارية وملتقى رجال أعمالها ومؤسساتها وشركاتها وأهلها.
هكذا تكون المبادرات التي نحتاجها الآن: لا تنتظر أن تتحسن الظروف ،،، بل تبدأ هي بتحسينها.