النجاح الإخباري - بقلم: د. ياسر أبو بكر
خرجتُ اليوم من مستشفى النجاح الوطني الجامعي بشعور مختلف.
لم يكن شعور من حضر افتتاح قسم جديد، ولا من شاهد جهازا حديثا يضاف إلى مؤسسة طبية ناجحة. كان أقرب إلى ذلك النوع النادر من الفخر الذي يصيبك حين ترى فكرة فلسطينية كبرت، وتراكمت، وصبرت، حتى صارت مؤسسة قادرة على أن تقول للناس، في زمن يكثر فيه العجز: ما زلنا نستطيع أن نبني.
افتتاح قسم العلاج الإشعاعي في مركز النجاح للسرطان ليس حدثا طبيا وحسب.
إنه، في مكان مثل فلسطين، حدث سياسي واجتماعي وإنساني بامتياز.
فالمرض في بلادنا لا يأتي منفردا.
قد يأتي السرطان ومعه حاجز، وتصريح، وتحويلة، وسفر، وانتظار، وكلفة، وأسرة تستنزفها الرحلة قبل أن يبدأ العلاج نفسه. وقد يصبح الطريق إلى المستشفى جزءا من المرض، وقد يتحول حق الإنسان في العلاج إلى سلسلة من الموافقات والاحتمالات.
لذلك، حين يصبح العلاج أقرب إلى المريض، فالأمر لا يتعلق فقط بتوفير المسافة.
إنه استرداد لشيء من كرامة الإنسان.
ومن هنا تبدأ القيمة الحقيقية لما حدث اليوم.
قصة مستشفى النجاح ليست قصة جهاز وصل إلى نابلس، بل قصة رؤية بدأت قبل سنوات من سؤال أبسط وأصعب في آن واحد: كيف نبني طبيبا فلسطينيا قادرا؟
كان يمكن لجامعة النجاح أن تكتفي بكلية طب، وأن تمنح الشهادات، وأن تترك للخريجين أن يبحثوا عن مستشفيات يتدربون فيها. لكنها أدركت أن بناء الطبيب لا ينفصل عن بناء المؤسسة التي تحتضنه، وأن الجامعة التي تريد أن تصنع المعرفة لا يكفيها أن تدرّسها.
وهكذا بدأ التحول.
من جامعة تعلم الطب، إلى جامعة تبني مستشفى.
ومن مستشفى يدرب الطلبة، إلى مؤسسة تعالج وتبحث وتستقطب التخصصات الدقيقة.
ومن مؤسسة تقدم الخدمة، إلى مشروع يحاول أن يوطن ما كان الفلسطيني يضطر إلى البحث عنه خارج وطنه.
هذه هي الحكاية التي تستحق أن تروى.
فالمؤسسات الكبرى لا تولد كبيرة.
تبدأ بفكرة، ثم تحتاج إلى من يؤمن بها أكثر مما يحتفي بها، وإلى من يحرسها من البيروقراطية واليأس والمصالح الصغيرة، وإلى أطباء وممرضين وفنيين وموظفين يدخلون كل صباح إلى عملهم، فلا يضيفون وردية جديدة فقط، بل يضيفون يوما جديدا إلى عمر المؤسسة.
وهذا هو الفارق بين بناء مبنى وبناء مؤسسة.
المبنى يكتمل حين ينتهي المقاول.
أما المؤسسة فلا تكتمل أبدًا.
كل نجاح فيها يفتح بابا لنقص جديد يجب أن يعالج، وكل تخصص يتحقق يكشف عن تخصص آخر نحن بحاجة إليه.
وهذا بالضبط ما يجعل افتتاح العلاج الإشعاعي اليوم مهما.
ليس لأنه نهاية مشروع، بل لأنه دليل على أن المشروع لم يتوقف.
لقد عرف الفلسطيني العلاج في الخارج طويلا، وعرف معنى أن يكون المرض مرهونا ببوابة ومعبر وتصريح، وعرف أيضا الأثمان المالية والاجتماعية والنفسية الباهظة للتحويلات الطبية.
لذلك، فإن توطين العلاج المتخصص يجب أن يكون أحد المشاريع الوطنية الكبرى في السنوات المقبلة.
ليس من باب الشعارات.
بل لأن شعبا لا يستطيع علاج مواطنيه داخل أرضه سيظل جزء من أمنه الإنساني مرتهنا بغيره.
السيادة ليست راية ومقعدا سياسيا فقط.
هناك سيادة على الأرض، وسيادة على القرار، وسيادة على المعرفة.
وهناك أيضا سيادة على حياة الإنسان.
أن تستطيع أن تعلم طبيبك، وأن تدربه، وأن تمنحه مختبرا ومستشفى ومركزا بحثيا، وأن توفر له التكنولوجيا التي يحتاجها، ثم تقول للمريض: لا تحتاج، في كل مرة، أن تذهب بعيدًا كي تجد فرصة للحياة.
هذا أحد أكثر معاني الاستقلال بساطة وعمقا.
والأهم أن المستشفى الجامعي لا يكتفي بعلاج المريض الموجود أمامه.
في الغرفة نفسها قد يقف طبيب متدرب سيتخصص غدا، وطالب سيحمل التجربة إلى جيل آخر، وباحث يحاول أن يفهم لماذا ينجح علاج هنا ولا ينجح هناك.
وهكذا يصبح المريض، من حيث لا يدري، جزءا من إنتاج معرفة ستساعد مريضا آخر بعد سنوات.
هذه هي قوة المستشفى الجامعي.
إنه ليس محطة علاج.
إنه مكان تتكاثر فيه المعرفة.
ومن هنا فإن قيمة جامعة النجاح اليوم لا تقاس بعدد خريجيها فقط، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى خبرة، والخبرة إلى قدرة وطنية.
هذه الفكرة تستحق أن نتوقف أمامها مليا.
نحن الفلسطينيين نميل أحيانا إلى النظر إلى الإنجاز باعتباره حدثا سريعا: حجر أساس، افتتاح، صورة، خطاب، ثم ننتقل إلى خبر آخر.
لكن الدول والمؤسسات لا تبنى بهذه الطريقة.
الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى بعد أن تغادر الكاميرات.
أن يعمل الجهاز غدا.
وأن يجد المريض موعدا.
وأن يبقى الطبيب.
وأن يتدرب شاب فلسطيني على تخصص نادر.
وأن يخرج من المكان بحث علمي محترم.
وأن يأتي بعد خمس سنوات فريق جديد لا يعرف أسماء من حضروا الافتتاح، لكنه يجد مؤسسة أفضل مما كانت عليه اليوم.
إذا حدث ذلك، نكون قد نجحنا فعلا.
ولهذا أيضا يجب ألا تكون فرحتنا بما أنجز مبررًا للراحة.
على العكس.
هذا النجاح يحمّل المستشفى والجامعة والمجتمع مسؤولية أكبر.
ففلسطين تحتاج إلى شبكة صحية وطنية قوية، لا إلى جزر ناجحة منفصلة.
وتحتاج إلى تخصصات أورام متكاملة، وطب أطفال متقدم، وزراعة أعضاء، وطب جيني، وبحث سريري، وذكاء اصطناعي طبي، وفيزياء طبية، وتحتاج قبل كل ذلك إلى سياسة وطنية تعتبر التعليم والصحة وجهين للأمن القومي.
وحين رأيت اليوم ما تحقق، خطر لي سؤال بسيط:
كم مشروعا فلسطينيا يمكن أن يرى النور لو اجتمعت حوله الإرادة نفسها؟
وكم مريضًا نستطيع أن نوفر عليه رحلة الألم لو ساهم كل قادر بما يستطيع؟
لهذا لا أرى التبرع لهذه المشاريع عملاً خيريًا بالمعنى التقليدي.
هو استثمار وطني مباشر.
حين يتبرع رجل أعمال بجهاز طبي، فهو لا يشتري جهازًا.
إنه يشتري فرصة حياة لإنسان قد لا يعرف اسمه أبدًا.
وحين تساهم شركة في بناء غرفة أو مختبر، فإنها لا تمول جدرانًا.
إنها تساعد طبيبا فلسطينيا أن يعمل هنا بدل أن يهاجر.
وحين يدعم فلسطيني في الشتات مشروعا طبيا في وطنه، فإنه يبني جزءا من الوطن حتى لو كان بعيدًا عنه.
ولهذا فإنني، من موقع الفرح لا من موقع الاستجداء، أدعو كل وطني قادر، وكل رجل أعمال، وكل مؤسسة وشركة، وكل فلسطيني في الوطن والشتات، إلى أن يرى في هذه المشاريع فرصة للمشاركة في شيء يبقى.
فالأموال تُنفق في كثير من الأماكن.
لكن ليس كل مال يتحول إلى حياة.
وهنا قد يتحول.
وقد رأيت اليوم بعيني ما يمكن أن تفعله الفكرة عندما تجد من يؤمن بها، وما يمكن أن يفعله الدعم حين يتحول من رقم في حساب إلى علاج يصل إلى جسد إنسان.
ويبقى الشكر واجبا لكل فريق المستشفى: أطباء، وممرضين، وفنيين، وإداريين، وباحثين، وعاملين، ولكل من حمل هذا المشروع على كتفه يوما بعد يوم.
وفي وسط هذا العمل الجماعي الكبير، تسمح لنا المحبة والوفاء بإشارة سريعة إلى الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله، رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية، الذي ظل حاضرا في مسيرة هذا المشروع منذ أن كان فكرة تتلمس طريقها، حتى أصبح اليوم صرحا يصعب أن يروى تاريخه من دون أن تمر به هذه الإشارة.
ليس لأن المؤسسات يصنعها فرد.
بل لأن المؤسسات تحتاج، في لحظاتها الأولى، إلى من يرى ما لا يراه الآخرون بعد.
خرجت اليوم من المستشفى وأنا أكثر اطمئنانا إلى فكرة قديمة أؤمن بها:
أن الفلسطيني ليس محكوما بأن يبقى في موقع من ينتظر ما يفعله الآخرون به.
نستطيع أن نبني.
نستطيع أن نعلم.
نستطيع أن نبحث.
ونستطيع، شيئا فشيئا، أن نستعيد حقنا في أن نعالج أبناءنا هنا.
ولعل أجمل ما في هذا الإنجاز أنه لا يطلب منا أن نصفق له فقط.
بل أن نكمله.