النجاح الإخباري - بقلم: د. ياسر أبو بكر.

يأتي مقال الدكتور فواز عقل المعنون "الحجر مطرحه قنطار" بوصفه نصا تربويا-ثقافيا يتجاوز حدود المقالة التقليدية، ليقدّم محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفكرة الإنسان بوصفه محور العملية التعليمية وركيزتها الأساسية. فالمقال لا يناقش التعليم بوصفه منظومة تقنية مرتبطة بالمناهج والامتحانات فحسب، بل يتعامل معه باعتباره مشروعا أخلاقيا وحضاريا لبناء الإنسان القادر على حمل الدور والمسؤولية.
تكمن قوة المقال في أنه يستعيد الحكمة الشعبية الفلسطينية ويحوّلها إلى مدخل فلسفي لفهم قيمة الفرد داخل المجتمع ، فالحجر لا يستمد قيمته من مادته الجامدة، بل من موضعه ووظيفته وعلاقته بالبناء الكلي. وهنا ينجح الكاتب في نقل المثل الشعبي من فضائه الريفي البسيط إلى فضاء فكري معاصر يتصل بقضايا التعليم والهوية والتنمية والوعي.
كما يُحسب للمقال اعتماده على سرديات رمزية ذات أثر عميق، خصوصا استحضار قصيدة "الحجر الصغير" للشاعر إيليا أبو ماضي، والتي استخدمها الكاتب بذكاء لتوضيح خطورة شعور الإنسان بالتهميش أو انعدام القيمة. فحين يفقد الفرد إحساسه بالجدوى، لا ينسحب وحده من المشهد، بل قد ينهار جزء من البناء الاجتماعي معه. وهذه فكرة بالغة الأهمية تربويا ونفسيا، خاصة في المجتمعات المأزومة التي تعاني من الإحباط الجمعي والتآكل التدريجي لرأس المال الاجتماعي.
ويُسجل للمقال أيضا تأكيده المستمر على مركزية المعلم الملهم، لا المعلم الناقل للمعلومة فقط. فالكاتب يرفض اختزال العملية التعليمية في التلقين، ويقترب من التصورات التربوية الحديثة التي ترى أن وظيفة التعليم هي بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والتكيّف والإبداع. وهذا ينسجم مع التحولات العالمية في فلسفات التعليم المعاصر، التي انتقلت من "اقتصاد المعرفة" إلى "اقتصاد الابتكار"، ومن تخزين المعلومات إلى إنتاجها.
غير أن المقال، رغم ثرائه الإنساني والأخلاقي، كان بحاجة إلى تعميق بعض الجوانب البنيوية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أزمة التعليم في السياق العربي والفلسطيني تحديدًا. فالمشكلة ليست فقط في غياب المعلم الملهم أو العقل النقدي، بل أيضا في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتج نموذج التعليم نفسه.
لقد ركّز المقال على الفرد بوصفه محور التغيير، لكنه لم يمنح الاهتمام الكافي لبنية النظام التعليمي ذاته: المناهج، سياسات التقييم، مركزية الامتحان، هشاشة التمويل، الفجوة الرقمية، وضعف الحريات الأكاديمية، وتراجع مكانة البحث العلمي. فحتى أكثر المعلمين إلهاما قد يتحول إلى موظف منهك داخل نظام لا يكافئ الإبداع، ولا يسمح بالمبادرة، ولا ينتج بيئة تعلم حقيقية.
كما أن المقال، رغم إشادته بالتجربة الصينية، قدّمها بصورة تبسيطية إلى حد ما. فصعود الصين لم يكن نتاج "بناء الإنسان" فقط، بل جاء نتيجة مشروع دولة طويل الأمد جمع بين التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الهائل في البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة، وتحويل التعليم إلى جزء من مشروع السيادة الوطنية. وبالتالي فإن استنساخ التجارب الناجحة ل يكون  بفهم الشروط التاريخية والسياسية والاقتصادية التي صنعتها.
ومن النقاط التي تستحق الإضافة أيضا أن المقال تعامل مع التعليم بوصفه أداة للنجاة والتقدم، لكنه لم يتوقف بما يكفي عند التعليم بوصفه أداة للتحرر الوطني والاجتماعي، خاصة في الحالة الفلسطينية. ففي السياقات القسرية والاستعمارية، لا يصبح التعليم مجرد وسيلة للصعود الاجتماعي، بل يتحول إلى فعل مقاومة وصمود وحماية للوعي الجمعي من التفكك. وهذا البعد بالغ الأهمية في فلسطين، حيث تُستهدف المدرسة والجامعة والمعرفة أحيانا بوصفها جزءًا من معركة الوجود ذاتها.
كما أن الحديث عن "الطالب الذي يسأل ويحاور ويبتكر" يبقى ناقصا إذا لم يرتبط بحرية التفكير وبيئة ديمقراطية داخل المدرسة والجامعة. فلا يمكن إنتاج عقل نقدي داخل فضاء يخاف السؤال أو يعاقب الاختلاف أو يقدّس التلقين باسم الانضباط.
ومع ذلك، يبقى المقال محاولة فكرية وتربوية مهمة تستحق التقدير، لأنه يعيد النقاش إلى جوهر القضية: الإنسان. ففي زمن أصبحت فيه العملية التعليمية محكومة بالأرقام والامتحانات والمؤشرات التقنية، يذكّرنا د. فواز عقل بأن التعليم الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان أن له قيمة، وأنه "حجر في مكانه الصحيح"، وأن غيابه قد يترك فراغا يهدد البناء كله.
إن أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعلومات، بل تآكل الوعي. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة تحديث مناهج، بل معركة إعادة بناء الإنسان القادر على التفكير، والانتماء، والمبادرة، والمسؤولية. وحين ينجح التعليم في إنتاج هذا الإنسان، يصبح الحجر فعلًا "قنطارًا" في ميزان الأمم.