النجاح الإخباري - في مدينة خان يونس بقطاع غزة، حيث لا تزال آثار الحرب تملأ الأجواء، يشهد النهار عملاً لا يتوقف لشبان  يستعينون بأنقاض وركام المباني المهدمة لحفر قبور لضحايا القصف الإسرائيلي المستمر منذ تسعة أشهر. مع غياب المواد الأساسية مثل الإسمنت، يجد هؤلاء الشبان أنفسهم مضطرين لاستغلال كل ما هو متاح لبناء قبور تحفظ كرامة الموتى.


يبدأ الشاب طارق أبو حطب، من خان يونس، عمله من الصباح الباكر وحتى مغيب الشمس، يجمع الركام والرمال مع مجموعة من الشبان لتثبيت شواهد القبور. يقول طارق: "نحن نبني قبوراً من دون أسمنت لأنه غير متوفر في غزة. حتى الأحجار نحصل عليها من الدور المهدمة، نقوم بإصلاحها لاستعمالها لنبني قبراً نستر به الشهيد. الأسمنت نادر جداً وإذا كان موجوداً يبلغ ثمنه 250 شيقلاً".

ومنذ بداية الحرب في أكتوبر الماضي، ارتفعت تكلفة بناء القبر إلى حوالي الضعف، مما جعل العديد من العائلات عاجزة عن توفير مقبرة لدفن موتاها. يشير أبو حطب: "تبلغ تكلفة القبر 450 شيقلاً، قبل الحرب كانت تكلفته لا تتجاوز 250 شيقلاً. نادراً ما نتمكن من تأجير عربة تجرها الدواب لنقل الأحجار من أماكن بعيدة".

ومع امتلاء مقابر العائلات، وفرت بلدية خان يونس قطعة أرض في الحي النمساوي بالمدينة لدفن الموتى، حيث تصطف القبور وحولها منشآت مهدمة وخيام النازحين. ولكن هذا العمل لم يكن خالياً من المخاطر، حيث فقد أبو حطب شقيقه وأصيب والده في قصف إسرائيلي أثناء دفن الموتى. يوضح أبو حطب: "والله الخطر كبير علينا. أكثر من مرة تم استهدافنا بصواريخ زنانة. أصيب الحاج (والده) واستشهد أخي".

رغم كل المخاطر، يستمر أبو حطب في عمله لأنه لا يجد مصدراً آخر لكسب الرزق في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها الجميع في غزة. يقول: "هذا مصدر رزقي أنا ومن يعمل معي، نأكل لقمة عيشنا منه. نعمل من الصباح حتى آذان المغرب، ويجني كل منا بين 30 و50 شيقلاً يومياً. نعمة وفضل".

ومن جانبه، ينهمك صابر زعرب في تهيئة الأحجار التي جمعها من بين الأنقاض رغم الخطر المحدق به. يقول زعرب: "أعمل في هذه الوظيفة لأؤمن لقمة عيشي رغم الخطر، عندما دخلت الدبابات (الإسرائيلية) إلى خان يونس كانت تستهدفنا بالقصف فنهرب نحو الشاطئ لنعود لاحقاً".
في خضم المعاناة والألم، يظهر أهل غزة قدرتهم على التكيف والصمود في وجه الصعاب. هؤلاء الشبان، الذين يحفرون قبوراً من الأنقاض، يجسدون روح التحدي والإصرار على الحياة حتى في أحلك الظروف. بعملهم الشاق والمليء بالمخاطر، يقدمون مثالاً حياً عن الشجاعة والتضحية من أجل كرامة الإنسان، ويستمرون في الحياة بروح لا تعرف الانكسار.

المصدر: النجاح الإخباري + وكالة AWP