النجاح الإخباري - تتمايل الطفلة الفلسطينية رزان محمد على كلمات أغنية "أهلا أهلا يا عيد" وملامح الفرح الذي لا يخلو من حزن تبدو جلية على وجهها، وهي تدفع شقيقتها لمى وصديقاتها إلى التفاعل مع فعاليات لقاء ترفيهي للأطفال ينظم في اليوم الأول لعيد الأضحى بمخيمات النزوح في مواصي خان يونس.

تقف الطفلة ذات الأعوام الأحد عشر  على كرسيها الصغير المطل على ساحة الفعالية الترفيهية، لتهز برأسها يمنة ويسرة كلما علا صوت الأغنية التي تحبها وتكرر كلماتها بإتقان، بينما يشتد تصفيقها وهي ترى تفاعل الأطفال الأخرين المتشوقين لأي نشاط ترفيهي يخرجهم من جحيم الخيام ومعاناة النزوح.

تتفاعل الطفلة أكثر وأكثر مع بعض الألعاب الرياضية والأنشطة الخفيفة الموجهة التي تجذبها لتقترب منها، حتى يأتي دورها فتقفز بكرة صغيرة بين دوائر تصعب حركتها لتتعثر في اجتياز بعضها، فتعلو ضحكات الأطفال وهم يشجعونها على إكمال لعبتها، حتى تنجح في القفز بين الدوائر بسلام ودون أخطاء فيعلو التصفيق باستمرار.

تنهي رزان لعبتها وقد تبدد بعض حزنها الدفين وأظهرت ارتياحا أكثر وهي تقف لتشجع بقية الأطفال الذين يمارسون هذه اللعبة وغيرها، بينما يزداد تفاعلها مع كل فقرة جديدة للقاء الترفيهي الذي يعج بالأطفال من كل الأعمار وحتى بمشاركة بعض أمهاتهم.

ثمن باهظ

وبينما يحل عيد الأضحى على الفلسطينيين بقطاع غزة وهم يعيشون أوضاعا حياتية بائسة للغاية، في ظل استمرار الحرب للشهر التاسع على التوالي، وما ينتج عنها من خسائر بشرية كبيرة فضلا عن حالة التدمير الواسعة ونزوح أكثر من مليونين من منازلهم وأحيائهم السكنية ليحشر غالبيتهم في مدينتي خان يونس المدمرة ومواصيها ودير البلح ومحيطها بوسط القطاع.

ويدفع الأطفال أثمانا باهظة جراء هذه الحرب المدمرة سواء على صعيد أعداد القتلى منهم الذين تجاوزوا خمسة عشر ألفا وستمائة أو من جانب أوضاعهم الصحية والنفسية التي تؤكد تقارير دولية ومحلية أنها تتدهور بشكل سلبي كبير يؤثر على واقعهم ومستقبلهم، خصوصا مع نزوح 700 ألف طفل فضلا عن تعرض اثنين وثمانين ألفا منهم لأعراض سوء التغذية.

رزان.. النازحة مع عائلتها المكونة من سبعة أفراد منذ مطلع شهر ديسمبر كانون الأول الماضي، تبين أن بيتها تعرض للقصف والتدمير الإسرائيلي بشكل جعله غير صالح للسكن ما يمد أجل نزوحها إلى أجل غير مسمى، الأمر الذي يفاقم معاناتها في الحصول على الحد الأدنى لمتطلبات حياتها التي اعتادت عليها قبل الحرب.

توضح الطفلة أنها حرمت كبقية أطفال غزة الفرح بشهر رمضان وعيد الفطر وكانت تنتظر عيد الأضحى لتعوض حزنها، لكن الواقع خالف أمنياتها ومضى العيد دون وقف الحرب ودون الشعور بأي من ملامحه التقليدية ولو بأقل القليل منها.

تقول "نعيش في النزوح ولم نشتر الملابس ولا الحلويات والأصعب أننا لم نضحّ لأنه لا توجد أضاحي، وبدلا من كون العيد مناسبة للسعادة أصبح يوما لتذكيرنا بالحرمان والأحزان".

تضيف "فرحتنا بالأضحية والتقاط الصور معها وتوزيعها على الأقارب والجيران كانت تمثل الكثير بالنسبة إلينا، لكننا اليوم بعيدون عن بقايا منزلنا ويحرمنا الواقع الراهن من زيارة أقاربنا ولا شيء يوحي بأجواء العيد".

تؤكد الطفلة أنها كانت بأمس الحاجة للخروج من حالة الإحباط المسيطرة عليها بأي طريقة، حتى علمت بتنظيم هذا اللقاء الترفيهي وأصرت على المشاركة مع صديقاتها على أمل خروجهن من حالة الحزن الكبيرة لبعض الوقت قبل العودة إلى مأساة النزوح وهذا ما حدث وفق تقديرها.

ويكشف الحضور الواسع للأطفال لدرجة اكتظاظ المكان بأعداد مضاعفة عن المتوقع، عن تعطشهم لأي فعالية ترفيهية خصوصا وأنهم في أول أيام العيد التي حرموا بهجتها وتفاصيلها الجميلة بالنسبة إليهم، مع فقدانهم لكل وسائل التسلية والترفيه التقليدية سواء المنزلية أو العامة.

ويتفاعل الأطفال بشكل منقطع النظير بغنائهم المتزامن مع الأغاني التي حفظوا كلماتها عن ظهر قلب خصوصا المعبرة عن طفولتهم أو تلك المرتبطة بوطنهم، ليعلو صوتهم أغلب الوقت على مكبر الصوت الصغير المعلق على عمود وسط الساحة المغطاة بقماش رقيق لم يعبأ الصغار بحرارة الشمس التي تخترقه.

وبموازاة رسم الناشطة هناء أبو رزق لوحات حركية للأطفال بيديها ومشيتها وعيونها وهبوطها وارتفاعها ليقلدونها باستمرار، تعمد إلى مداعبة بعض الصغار الأقل تفاعلا عبر تحريك أياديهم أو الهمس في آذانهم وأحيانا مناداتهم بصوت مرتفع حتى تنفرج أساريرهم وتبدو الابتسامة على وجوههم.

تحمل الناشطة التي نزحت من مدينة غزة عدة مرات قبل وصولها إلى المواصي، صافرة صغيرة تطلقها من حين إلى آخر لتوجه الأطفال للاستعداد لفقرة جديدة أو الإشارة إلى انتهاء نشاط معين، بينما تتحرك من جهة إلى أخرى يتجمع فيها الأطفال استجابة لنداءاتهم ومداعباتهم والتلويح لها بأياديهم، وكل هذا في أجواء من البهجة والفرح المتزامنة مع نغمات الأغاني والموسيقى.

أبو زرق الحاصلة على بكالوريوس التعليم الأساسي وتربية الطفل، تلبي رغبات بعض الأطفال بإعادة أنشطة بعينها أو تكرار الأغاني المحببة لبعضهم، ليزداد حماسهم في المكان وصولا إلى قفز بعضهم ورقصهم من شدة الفرح بعد خروجهم من الترتيب الذي كانوا يقفون فيه على جوانب ساحة اللقاء الترفيهي.

تؤكد الناشطة أن الأحزان والضغوط النفسية الهائلة تنقض على الأطفال في مخيمات النزوح، حتى أوصلت بعضهم إلى حالة من الصمت المطبق الغريب والرغبة في الانعزال فضلا عن الخوف الشديد والرهبة من أي حركة، خصوصا في ظل غياب المنظومة التعليمية والتربوية والترفيهية بشكل كامل، وفق وصفها.

وبينما تذكر أن الصدمات المتتالية من مشاهد القصف والموت والدمار منذ بداية الحرب مضافا إليها حالة الحرمان وضنك العيش خلال النزوح، ساهمت في تعظيم معاناة الأطفال وتعرضهم لضغوط نفسية بشكل غير مسبوق، تؤكد أن هذا الواقع جعلهم بأمس الحاجة إلى فعاليات تخفف هذه الضغوط وتعيدهم إلى الحد الأدنى من التوازن الانفعالي والعاطفي.

تقول أبو رزق المشاركة بإحدى الفرق التطوعية "نفذنا برامج ترفيهية وخفيفة خلال الفترة السابقة، لكننا سنتوسع خلال أيام العيد بشكل أكبر من حيث عدد الفعاليات اليومية والمناطق ومخيمات النزوح التي نصلها".

تضيف "حالة التفاعل كبيرة للغاية، والأطفال بحاجة ماسة لأي برنامج يخفف عنهم ويفرحهم ويرسم البسمة على وجوههم، مثلما هم بحاجة إلى الغذاء والماء".

وتتعدد فقرات اللقاءات الترفيهية خلال أيام العيد من قبل فرق تطوعية عديدة، ما بين أغاني الطفولة والوطن والدبكة الشعبية والبدوية والأناشيد الدينية، فضلا عن الألعاب الرياضية الفردية والجماعية، والمهرجون والمسابقات وتوزيع الهدايا ومحاكاة بعض الشخصيات الكرتونية وغيرها. 

المصدر: النجاح الإخباري +وكالة AWP