النجاح الإخباري - وسط الدمار الهائل الذي خلفته آلة الحرب الإسرائيلية التي أحالت 365 كم متر إلى ساحة حرب حقيقية مارست عليها كل أنواع الجرائم والمجازر على مرآى ومسمع من العالم أجمع، ضاربة بالضغوط والقوانين الدولية عرض الحائط، تمر المناسبات الدينية على قطاع غزة فتعمق حجم المأساة والجرح في ظل الظلم والفقد والاضطهاد الإنساني غير المسبوق.

ورغم محاولات الكثيرين من أهل القطاع تجاوز الأحزان والعيش بأقل الإمكانيات إلا أن الفرح مفقود كليًّا، ففي هذا العام المشتعل يحضر عيد الأضحى مسلوب البهجة والحضور، فلا أضاحي ولا أسر كاملة لاقتسام الفرح.

وتتعد القصص ..

للمرّة الأولى في حياته، سيقضي النازح الفلسطيني عمر أبو عكر عيد الأضحى دون ذبح أضحية بعد تعثّر محاولاته المتكرّرة لشراء واحدة تُناسِب قدرته الماليّة المحدودة في ظل عدم توفّر الأضاحي إلا بأعدادٍ محدودةٍ جدا وبأسعار مضاعفة بسبب ظروف الحرب والنزوح في قطاع غزّة.

يجلس الرجل إلى جانب الدفيئة الزراعيّة التي ينزح فيها مع أبنائه الثمانية وأسرهم منذ مطلع ديسمبر كانون الأول الماضي، محاولا البحث عن بدائل أخرى مع أولاده كشراء أضحيّة صغيرة بمواصفات أقلّ؛ لكن الجميع يخبره بأن أي أضحية سيتجاوز ثمنها 1500 دولار أميركي في أقل تقدير.

ولا تتوفّر الأضاحي من الأبقار والأغنام إلّا بأعداد محدودة جدا من بقايا الثروة الحيوانيّة المحليّة التي لم يطَلْها معول الحرب الهدّام، في الوقت الذي لم تسمح فيه إسرائيل بإدخال الأضاحي من المعابر كما كان معتادا في كلّ عام، ما أدى إلى تضاعف أسعارها إلى خمسة أمثال أو أكثر مقارنة مع ما كانت عليه قبل الحرب.

يدرك أبو عكر أنّه لن يستطيع شراء أضحيّة بهذه الأسعار التي ليست في متناول يدّ غالبية سكّان القطاع؛ لكنه لا ييأس، ويستمرّ في محاولات البحث عن أيّ وسيلة تُدخل السرور على أحفاده، حتى وإن كان ذلك عبر شراء القليل من اللحم الطازج أو المجمّد من أي قصّاب أو بائع.

غير أن تلك البدائل أصبحت هي الأخرى صعبة المنال؛ فحتّى اللحوم الحمراء الطازجة والمجمّدة واللحوم البيضاء كالدجاج ونحوه لا تتوفر في أسواق القطاع الذي يشهد حربا طاحنة منذ السابع من أكتوبر تشرين الأول الماضي.

* أسعار مرتفعة وشُحّ في المعروض

وفي ظل شحّ المعروض منها، تتجاوز أسعار الأضاحي نحو 18 ألف دولار للأبقار الصغيرة و1500 دولار للخراف المنخفضة الوزن، وهي أسعار لا تستطيع العائلات الفلسطينية التي تعيش ظروف الحرب والنزوح تحمّلها، خصوصا أنّ الغالبيّة العظمى من سكان قطاع غزة عاطلون عن العمل منذ الأيام الأولى للحرب.

ومع غياب أسواق الأضاحي الشعبية التقليديّة، تغيب أيضا مظاهر العيد التي كانت موجودة من قبل، مثل أسواق السكاكين ومستلزمات القصابة وأسواق الملابس والحلوى، فضلا عن غياب الألعاب المضيئة وأحبال الزينة التي كانت تُضفي بهجة على الشوارع والأحياء السكنيّة في الأعوام الماضية.

وإلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بحظائر ومزارع الماشية، فإنّ المتبقي منها إمّا يخلو من الأغنام والأبقار أو تحوّل إلى أماكن نزوح، وهو الأمر الذي غيّب مشاهد الآباء وهم يصطحبون أبناءهم لاختيار أضاحيهم من داخل تلك الحظائر التي كانت تكتظ بأعداد كبيرة من أنواع الأضاحي المختلفة.

وبلغ عدد الأضاحي التي ذُبحث العام الماضي في قطاع غزّة 17 ألف رأس من الأبقار و24 ألف رأس من الأغنام؛ وبلغ عدد الأسر التّي قدّمت أضاحي 130 ألف أسرة، تُشكل نحو 28% من إجمالي سكّان غزة، وفقا لوزارة الزراعة في القطاع.

بيد أن تجّار المواشي يتوقّعون ألّا تتجاوز نسبة المضحّين هذا العام اثنين في المئة أو أكثر قليلا من نسبة المضحّين العام الماضي في أفضل حال، بسبب عدم وفرة المعروض.

وقال بلال عاشور، وهو صاحب إحدى مزارع الماشية، في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) "هذه الأيام العام الماضي كانت تشهد إقبالا وازدحاما كبيرين من المشترين على الأسواق والحظائر والمزارع؛ لكن أوضاع الحرب والنزوح والحصار المشدّد تحول دون ذلك".

واعتبر أنّ "توقّعات الفلسطينيين بضغط العالم على إسرائيل لوقف الحرب أو سماحها على الأقل بإدخال احتياجاتهم قبل العيد ذهبت أدراج الرياح".

وكان النازحون يأملون أن تسمح إسرائيل بإدخال لحوم مجمّدة قبل العيد بيومين، وهو ما لم يتحقّق. 

وقال عاشور "لدينا بضع خراف هزيلة وأسعارها مرتفعة جدا ولم يشترها أيّ زبون رغم أن ساعات تفصلنا عن العيد؛ كما لا توجد أعلاف أو أيّ أعشاب حتّى؛ وبصعوبة، نوفر المياه للبشر قبل المواشي".

* شعيرة وموروث اجتماعيّ

ينقضي نصف النهار والنازح مطر أبو الزق يتنقّل بين الباعة والمحال التجاريّة في الشارع الرئيس بمدينة دير البلح على أمل العثور على أيّ لحوم، لكن دون فائدة، فيعود أدراجه لعائلته النازحة في مركز إيواء غرب المدينة خالي الوفاض.

أبو الزق، الذي نزح من شمال القطاع قبل ستّة أشهر، قال في حديث لوكالة أنباء العالم العربي إنّ زوجته وأبناءه الثلاثة كانوا ينتظرون عيد الأضحى علّهم يستعيدون جزءًا من حياتهم، لكن عدم توفّر الأضاحي حال دون ذلك.

أضاف "الأضاحي في غزّة لها طابع خاص؛ فإنها، إلى جانب الإتيان بشعيرة إسلاميّة والحفاظ على موروث اجتماعي، تُمثّل أملا وحياة لغالبيّة العائلات التّي اعتادت اقتطاع جزء من مصروفها حتّى توفّر ثمن الأضحية".

وبالإضافة إلى عدم توفّر الأضاحي واللحوم، فإنّ الأسواق تفتقر لمعظم السلع والبضائع، سواء التّي يتمّ توريدها من قبل التجار أو المساعدات التي يضطّر أصحابها لبيع جزء منها لتوفير احتياجات أخرى.

يتساءل أبو الزق بحيرة "كيف سنقضي اليوم الأول للعيد دون ذبح أضحية كما اعتدنا كلّ عام؟ النّاس هنا في حالة انكسار نفسيّ غير مسبوق، سواء أولئك الذين اعتادوا الأضحية منذ سنوات أو عقود طويلة أو غيرهم؛ فالجميع يشعرون أنّهم يفقدون بقايا ملامح حياتهم السابقة قبل الحرب".

المصدر: النجاح الإخباري+ وكالة AWP